فجعلها الله بردا وسلاما ؛ ليبقى حيا ، وكما أن أيوب عليه السلام كان اجتمع في بدنه مادة المرض ، فأنشأ الله تعالى عينا فيها شفاء مرضه . وكما أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم ، فأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذرهم ويجاهدم ؛ ليخرج من شاء من الظلمات إلى النور . وتفصيل ذلك أن القوى المودعة في المواليد التي لا تنفك عنها لما تزاحمت وتصادمت أوجبت حكمة الله حدوث أطوار مختلفة بعضها جواهر وبعضها أعراض والأعراض إما أفعال أو إرادات من ذوات الأنفس أو غيرها ، وتلك الأطوار لا شر فيها بمعنى عدم صدور ما يقتضيه سببه أو صدور ضد ما يقتضيه ، والشيء الذي اعتبر بسببه المقتضى لوجوده كان حسنا لا محالة كالقطع حسن من حيث أنه يقتضيه جوهر الحديد وإن كان قبيحا من حيث فوت بنية إنسان ، لكن فيها شر بمعنى حدوث شيء غيره أوفق بالمصلحة منه باعتبار الآثار أو عدم حدوث شيء آثاره محمودة ، وإذا تهيأت أسباب هذا الشر اقتضت رحمة الله بعباده ولطفه بهم وعموم قدرته على الكل وشمول علمه بالكل أن يتصرف في تلك القوى والأمور الحاملة لها بالقبض والبسط والإحالة والإلهام ، حتى تفضى تلك الجملة إلى الأمر المطلوب أما القبض فمثاله ما ورد في الحديث أن الدجال يريد أن يقتل العبد المؤمن في المرة الثانية ، فلا يقدر الله عليه مع صحة داعية القتل وسلامة أدواته وأما البسط فمثاله أن الله تعالى أنبع عينا لأيوب صلوات الله عليه بركضه الأرض وليس بالعادة أن تقضي الركضة إلى نبوع الماء ، وأقدر بعض المخلصين من عباده في الجهاد على ما لا يتصوره العقل من مثل تلك الأبدان ولا من أضعافها ، وأما الأحالة ممثالها جعل النار هواء طيبة لإبراهيم عليه السلام ، وأما الإلهام فمثاله قصة خرق السفينة وإقامة الجدار وقتل الغلام وإنزال الكتب والشرائع على الأنبياء عليهم السلام . . والإلهام تارة يكون