وصنف قريب المأخذ منهم ، لكن هم أهل النور الطبيعي ، فأولئك تصيبهم رؤيا ، والرؤيا فينا حضور علوم مخزونة في الحس المشترك كانت مسكة اليقظة تمنع عن الاستغراق فيها والذهول عن كونها خيالات ، فلما نام لم يشك أنها عين ما هي صورها ، وربما يرى الصفراوي أنه في غيضة يابسة في يوم صائف وسموم ، فبينا هو كذلك إذ فاجاءته النار من كل جانب ، فجعل يهرب ، ولا يجد مهربا ، ثم أنه لفحته فقاسى ألما شديدا ، ويرى البلغمى أنه في ليلة شاتية ونهر بارد وريح زمهريرية ، فهاجت بسفينته الأمواج ، فصار يهرب ، ولا يجد مهربا ، ثم إنه غرق ، فقاسى ألما شديدا ، وإن أنت استقريت الناس لم تجد أحدا إلا وقد جرب من نفسه تشبح الحوادث المجمعة بتنعمات وتوجعات مناسبة لها وللنفس الرائية ، فهذا المبتلى في الرؤيا غير أنها رؤيا لا يقظة منها إلا يوم القيامة ، وصاحب الرؤيا لا يعرف في رؤياه أنها لم تكن أسماء خارجية ، وأن التوجع والتنعم لم يكن في العالم الخارجي ، ولولا يقظة لم يتنبه لهذا السر فعسى أن يكون تسمية هذا العالم عالما خارجيا أحق وأفصح من تسميته بالرؤيا ، فربما يرى صاحب السبعية أنه يخدشه سبع ، وصاحب البخل تنهشه حيات وعقارب ، ويتشبح زوال العلوم الفوقانية بملكين يسألانه من ربك ، وما دينك ، وما قولك في النبي صلى الله عليه وسلم ؟ . وصنف بهيميتهم وملكيتهم ضعيفتان يلحقون بالملائكة السافلة لأسباب جبلية بأن كانت ملكيتهم قليلة الانغماس في البهيمية غير مذعنة لها ، ولا متأثرة منها ، وكسبية بأن لابست الطهارات بداعية قلبية ، ومكنت من نفسها الإلهامات وبوارق ملكية ، فكما أن الإنسان ربما يخلق في صورة الذكران وفي مزاجه خنوثة ، وميل إلى هيآت الإناث ، لكنه لا يتميز شهوات الأنوثة