والثالث سماحة النفس وهي ألا تنقاد الملكية لدواعي البهيمية: من طلب اللذة وحب الانتقام والغضب والبخل والحرص على المال والجاه ، فإن هذه الأمور إذا باشر الإنسان أعمالها المناسبة لها تتشبح ألوانها في جوهر النفس ساعة ما ، فإن كانت النفس سمحه يسهل عليها رفض الهيآت الخسيسة ، فصارت كأنه لم يمكن فيها شيء من ذلك الباب قط ، وخلصت إلى رحمة الله ، واستغرقت في لجه الأنوار التي تقتضيها جبلة النفوس لولا الموانع ، وإن لم تكن سمحة تشبح ألوانها في النفس كما يتشيح نقوش الخاتم في الشمعة ولصق بها وحز الحياة الدنيا ، ولم يسهل عليها رفضها فإذا فارقت جسدها أحاطت بها الخطيئات من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها ، وسدل بينها وبين الأنوار التي تقتضيها جبلة النفوس حجب كثيرة غليظة ، فكان ذلك سبب تأذيها وتألمها . والسماحة إذا اعتبرت بداعية الشهوتين: شهوة البطن . وشهوة الفرج سميت عفة ، أوبداعية الدعة والرفاهية سميت اجتهادا ، أو بداعية الضجر والجزع سميت صبرا ، أو بداعية حب الانتقام سميت عفوا ، أو بداعية حب المال سميت سخاوة وقناعة ، أو بداعية مخالفة الشرع سميت تقوى ، ويجمعها كلها شيء واحد ، وهو أن أصلها عدم انقياد النفس للهواجس البهيمية ، والصوفية يسمونها بقطع التعلقات الدنيوية أو بالفناء عن الخسائس البشرية ، أو بالحربة ، فيعبرون عن تلك الخصلة بأسماء مختلفة ، والعمدة في تحصيلها قلة الوقوع في مظان هذه الأشياء ، وإيثار القلب ذكر الله تعالى وميل النفس إلى عالم التجرد ، وهو قول زيد بن حارثة استوى عندي حجرها ومدرها إلى أن أخبر عن المكاشفة . والرابع العدالة ، وهي ملكة يصدر منها إقامة النظام العادل المصلح