فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 863

مختلفون بحسب جبلتهم في هذه الأمور: منهم من يكون قلبه هو الحاكم على نفسه ، ومنهم من يكون النفس هي القاهرة على القلب أما الأول فإذا أصابه غضب ، أو هاج في قلبه طلب منصب عظيم يستهين في جنبه اللذات العظيمة . ويصبر على تركها ، ويجاهد نفسه مجاهدة عظيمة في تركها . وأما الآخر فإنه إذا عرضت له شهوة اقتحم فيها وأن كان هناك ألف عار ، ولا يلتفت إلى ما يرغب فيه من المناصب العالية ، أو يرهب منه من الذل والهوان ، وربما يبدو للرجل الغيور منكح شهي ، وتدعو إليه نفسه أشد دعوة ، فلا يركن إليها لخاطر هجس من قلبه من قبيل الغيرة ، وربما يصبر على الجوع والعري ، ولا يسأل أحدا شيء لما جبل فيه من الأنفة ، وربما يبدو للرجل الحريص منكح شهي أو مطعم هني ، ويعلم فيهما ضررًا عظيما ، إما من جهة الطب ، أو من جهة الحكمة العملية ، أو من جهة سطوة بعض بني آدم فيخاف ، ويرتعش ، ويرعوى ، ثم يعميه الهوى ، فيقتحم في الورطة على علم ، وربما يدرك الإنسان من نفسه نزوعا إلى جهتين متخالفتين ، ثم يغلب داعية على داعية ، ويتكرر منه أفعال متشابهة على هذا النسق حتى يضرب به المثل ، إما في اتباع الهوى وقله الحفاظ ، وإما في ضبط الهوى وقوة المسكة ، ورجل ثالث يغلب عقله على القلب والنفس كالرجل المؤمن حق الإيمان انقلب حبه وبغضه وشهوته إلى ما يأمر به الشرع وإلى ما عرف من الشرع جوازه بل استحبابه ، فلا يبتغي أبدا عن حكم الشرع حولا ، ورجل رابع يغلب عليه الرسم وطلب الجاه ونفي العار عن نفسه ، فهو يكظم الغيظ ، ويصبر على مرارة الشتم مع قوة غضبه وشدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت