أو من جهة تصديق ما وعد الله تعالى على ألسنة رسله من ثواب الآخرة ، فينشأ منه الأعمال بداعيه عظيمة لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا موافقة عادة ، وينسحب هذا الحال على جميع أعماله حتى الأعمال المباحة العادية ، قال الله تعالى: ! ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ! . وقال صلى الله عليه وسلم: ' إنما الأعمال بالنيات ' . ومنها التوحيد وله ثلاث مراتب: إحداها توحيد العبادة ، فلا يعبد الطواغيت ، ويكره عبادتها كما يكره أن يقذف في النار . والثانية ألا يرى الحول القوة ويرى أن لا مؤثر في العالم إلا القدرة الوجوبية بلا واسطة ، ويرى الأسباب عادية إنما تنسب المسببات إليها مجازا ، ويرى القدر غالبا على إرادة الخلق . والثالثة أن يعتقد تنزيه الحق عن مشاكله المحدثين ويرى أوصافه لا تماثل أوصاف الخلق ، ويصير الخبر في ذلك كالعيان ، ويطمئن قلبه بأن ليس كمثله شيء من جذر نفسه ، ويتلقى أخبار الشرع بذلك على بينة من ربه ناشئة من ذاته على ذاته . ومنها الصديقية ، والمحدثية ، وحقيقتها أن من الأمة من يكون في أصل فطرته شبيها بالأنبياء بمنزلة التلميذ الفطن للشيخ المحقق ، فتشبهه إن كان بحسب القوى العقلية فهو الصديق أو المحدث ، وإن كان تشبهه بحسب القود العملية فهو الشهيد والحواري ، وإلى هاتين القبيلتين وقعت الإشارة في قوله تعالى: ! ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء ) ! .