فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 863

لأن للطعام إليه حاجة ليست إلى غيره ، ولا عشر تلك الحاجة ، فهو جزء مقوت وبمنزلة نفسه دون سائر الأشياء ، وإنما ذهبنا إلى ذلك لأن الشرع اعتبر الثمينة في كثير من الاحكام كوجوب التقابض في المجلس ، ولان الحديث ورد بلفظ الطعام ، والطعام يطلق في العرف على معنيين: أحدهما البر وليس بمراد ، والثاني المقتات المدخر ، ولذلك يجعل قسيما للفاكهة والتوابل ، وإنما أوجب التقابض في المجلس لمعنيين ، أحمدهما الطعام والنقد الحاجة إليهما أشد الحاجات وأكثرهما وقوعا ، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا بالإفناء والإخراج من الملك ، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد فنى ، وذلك أقبح المناقشة ، فوجب أن يسد هذا الباب بألا يتفرقا إلا عن قبض ، ولا يبقى بينهما شيء ، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى ، وحيث قال في اقتضاء الذهب من الورق: ' ما لم تتفرقا وبينكما شيء ' ، والثاني إنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره في جانب ، فالنقد وسيلة لطلب الشيء كما هو مقتضى النقدية ، فكان حقيقا بأن يبذل قبل الشيء ، وإذا كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم يبذل أحدهما تحكما ، ولو لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ وربما يشح بتقديم البذل ، فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما ، ويؤمرا جميعا ألا يتفرقا إلا عن قيض ، وإنما خص الطعام والنقد لأنهما أصلا الأموال وأكثرها تعاورا ، ولا ينتفع بهما إلا بعد إهلاكهما ، فلذلك كان الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض أكثر وأفضى إلى المنازعة ، والمنع فيهما أردع من تدقيق المعاملة . واعلم أن مثل هذا الحكم إنما يراد به ألا يجري الرسم به ، وألا يعتاد تكسب ذلك الناس لا ألا يفعل شيء منه أصلا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لبلال: ' بع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به ' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت