أقول: في هذا الحديث أنه لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا بريئا من الجور والميل قد عرف منه ذلك . وعالما يعرف الحق لا سيما في مسائل القضاء ، والسر في ذلك واضح فإنه لا يتصور وجود المصلحة المقصودة إلا بها . قال صلى الله عليه وسلم:
' لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ' . أقول: السبب المقتضي لذلك أن الذي اشتغل قلبه بالغضب لا يتمكن من التأمل في الدلائل والقرائن ومعرفة الحق . قال صلى الله عليه وسلم:
' إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد ' اجتهد يعني بذل طاقته في انباع الدليل ؛ وذلك لأن التكليف بقدر الوسع وإنما وسع الإنسان أن يجتهد وليس في وسعه أن يصيب الحق ألبتة . وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ' إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء أقول: وذلك لأنه عند ملاحظة الحجتين يظهر الترجيح ' . وأعلم أن القضاء فيه مقامان: أحدهما أن يعرف جلية الحال التي تشاجرا فيه ، والثاني الحكم العدل في تلك الحالة ، والقاضي قد يحتاج إليهما وقد يحتاج إلى أحدهما فقط فإذا ادعى كل واحد أن هذا الحيوان مثلا ملكه قد ولد في يده ، وهذا الحجر التقطه من جبل ارتفع الإشكال لمعرفة جلية الحال . والقضية التي وقعت بين علي ، وزيد ، وجعفر رضي الله عنهم في حضانة بنت حمزة رضي الله عنه كانت جلية الحال معلومة وإنما كان المطلوب الحكم . وإذا ادعى واحد على الآخر الغصب والمال متغير صفته وأنكر الآخر