ومنها أن بالجهاد تكميل الملة وتنويه أمرها وجعله في الناس كالأمر اللازم ، فإذا حفظت هذه الأصول انكشفت لك حقيقة الأحاديث الواردة في فضائل الجهاد . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
' إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين ' الحديث . أقول: سره أن ارتفاع المكان في دار الجزاء تمثال لارتفاع المكانة عند الله ، وذلك بأن تسكب النفس سعادتها من التطلع للجبروت وغير ذلك ، وبأن يكون سببا لاشتهار شعائر الله ودينه وسائر ما يرضي الله باشتهاره ، ولذلك كانت الأعمال التي هي مظنة هاتين الخصلتين جزاؤها الدرجات في الجنة ، فورد في تالي القرآن أنه يقال له ' اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ' وورد في الجهاد أنه سبب رفع الدرجات فإن عمله يفيد ارتفاع الدين ، فيجازى بمثل ما تضمنه عمله ، ثم إن ارتفاع المكانة يتحقق بوجوه كثيرة ، فكل وجه يتمثل درجة في الجنة ، وإنما كان كل درجة كما بين السماء والأرض لأنه غاية ما تمكن في علوم البشر من البعد الفوقانى فيتمثل في دار الجزاء كما تمكن في علومهم . قال صلى الله عليه وسلم: ' مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم ' . أقول: سره أن الصائم القانت إنما فضل على غيره بأنه عمل عملا شاقا لمرضاة الله ، وأنه صار بمنزلة الملائكة ومتشبها بهم ، والمجاهد إذا كان جهاده على ما أمر الشرع به يشبهه في كل ذلك غير أن الاجتهاد في الطاعات