والأصل في المصارف أن أمهات المقاصد أمور: منها إبقاء ناس لا يقدرون على شيء لزمانه أو لاحتياج مالهم أو بعده منهم . ومنها حفظ المدينة عن شر الكفار بسد الثغور ونفقات المقاتلة والسلاح والكراع . ومنها تدبير المدينة وسياستها من الحراسة والقضاء وإقامة الحدود والحسبة . ومنها حفظ الملة بنصب الخطباء والأئمة والوعاظ والمدرسين . ومنها منافع مشتركة ككرى الأنها وبناء القناطر ونحو ذلك . وأن البلاد على قسمين . قسم تجرد لأهل الإسلام كالحجاز ، أو غلب عليه المسلمون ، وقسم أكثر أهله الكفار فغلب عليهم المسلمون بعنوة أو صلح . والقسم الثاني يحتاج إلى شيء كثير من جمع الرجال وإعداد آلات القتال ونصب القضاة والحرس والعمال ، والأول لا يحتاج إلى هذه الأشياء كاملة وافرة . وأراد الشرع أن يوزع بيت المال المجتمع في كل بلاد على ما يلائمها فجعل مصرف الزكاة والعشر ما يكون فيه كفاية المحتاجين أكثر من غيرها ، ومصرف الغنيمة والفيء ما يكون فيه إعداد المقاتلة وحفظ الملة وتدبير المدينة أكثر ، ولذلك جعل سهم اليتامى والمساكين والفقراء من الغنيمة والفيء أقل من سهمهم من الصدقات وسهم الغزاة منهما أكثر من سهمهم منها . ثم الغنيمة إنما تحصل بمعاناة وإيجاف خيل وركاب فلا تطيب قلوبهم إلا بأن يعطوا منها . والنواميس الكلية المضروبة على كافة الناس لا بد فيها من النظر