فلا معنى لتأويل الخبر على خلاف المذهب، على أن الظاهر من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سنة تتبع، وإن لم يتكرر منه ذلك، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج في عمره مرة واحدة، وأفعاله فيها سنة، وإن لم يتكرر منه، ولم يداوم على فعله، وكذلك الاستسقاء بالصلاة والخطبة لم يفعله إلا مرة، وذلك سنة مستحبة.
وعلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد داوم على ذلك، وتكرر منه، وهو ما روى الشالنجي [1] ، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر عبد العزيز بإسناده عن أبي بكرة - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه الأمر يسر به، يَخِرُّ ساجدًا شكرًا لله تعالى [2] .
وهذا يدل على أنه كان يسجد لِما يسره، ونحن نعلم أن ما سره تكرر منه، وكثر، فوجب أن يكون السجود قد تكرر منه وكثر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يداوم على فعل المكروه، ولا على فعل تركُه أولى من فعله.
وروى الشالنجي أيضًا بإسناده عن يحيى بن الجزار [3] : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(1) مضت ترجمته.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في سجود الشكر رقم (2774) ، والترمذي في كتاب: السير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب: ما جاء في سجدة الشكر رقم (1578) ، وقال: (حديث حسن غريب ... والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم) ، وابن ماجه في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر، رقم (1394) ، وحسنه الألباني في الإرواء (2/ 226) .
(3) العُرَني الكوفي، قيل: اسم أبيه: زبان، وقيل: بل لقبه، قال ابن حجر: =