فقد دل هذا الحديث على جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة، وفيه أيضا دليل على أن دعاء من بلغته الدعوة قبل القتال مستحب مبالغة في الإنذار (1) .
ثانيا: دليل العقل وخلاصته أن من بلغته الدعوة فقد قامت عليه الحجة، فلا يجب في هذه الحالة إنذاره. قال ابن قدامة رحمه الله عن عبدة الأوثان: (فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعي قبل القتال) .
فقد فرق رحمه الله بين من بلغته الدعوة، ومن لم تبلغه من حيث وجوب الإنذار أو عدمه.
و القول الثاني: لا يجب الإنذار مطلقا. وهذا القول أضعف من الذي قبله لما يأتي:
أولا: قول الله تعالى: (وما كنا مع بين حتى نبعث رسولا(2) . ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده أن من مقتضي عدله أن لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة، وذلك بأن يرسل إليه رسولا (3) .
ثانيا: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله * إذا امر اميرة على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرة، ثم قال: « ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفت عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر صحيح مسلم بشرح النووي 39/ 12؛ الهداية 2/ 1139 الأختبار لتعليل المختار 187/ 4: للشيخ عبد الله بن محمود المصلي، نشر مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بمصر وميدان الأزهر بالقاهرة، مطبعة المدني.
(2) سورة الإسراء: آية 15.
(3) انظر تفسير ابن کثير 28/ 3؛ وتكملة المجموع شرح المهذب 79/ 18.