المبحث الأول
ضرورة وجودها
يعد وجود القيادة لأي جماعة أمرا ضرورية حتى ينتظم أمرها، وفي ذلك يقول ابن خلدون: (ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر، وتم عمران العالم لهم، فلا بد من وازع بدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنها موجودة لجميعهم، فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم، فيكون ذلك الوازع واحدا منهم ويكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة. وقد تبين لك بهذا أن للإنسان خاصة طبيعية ولا بد لهم منها، وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم - على ما ذكره الحكماء - كما في النحل والجراد لما استقرى، فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه إلا أن ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية، لا بمقتضى الفكرة والسياسة) (1) .
ويذكر الكاساني سبب تلك الضرورة فيقول: (إن مما يندب إليه الإمام عند تسيير الجيش: أن يؤمر عليهم، لأن الحاجة إلى الأمير ماسة، لأنه لا بد من تنفيذ الأحكام وسياسة الرعية، ولا يقوم ذلك إلا بالأمير لتعذر الرجوع في كل حادثة إلى الإمام) (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة ابن خلدون ص 43: للعلامة عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، ط المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 303/ 9: لأبي بكر بن مسعود الكاساني، مطبعة الإمام - القاهرة،