في روايته أنه قال لهم: فاجلسوا في ضيعتكم (1) وقاتلوا من ورائها، وكانت المدينة قد شبکت بالبنيان فهي كالحصن (2) .
أما أكثر الصحابة فكان رأيهم قتال الأعداء خارج المدينة.
قال ابن كثير: (وأبي كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله * ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرة، قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة) (3) .
وعندما رأى أن الغالبية من الصحابة تريد الخروج صمم عليه واعلن ذلك بقوله: ... إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» (4)
وقد استدل ابن القيم بهذا الحديث على أن من تأهب للخروج ولبس عدة الجهاد فليس له أن يرجع حتى يقاتل عدوه (5)
وحين شاور الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج إنما قصد عدم إلزامهم بأمر لا تقبله نفوسهم ولا يتفق مع رغباتهم (6) وأراد بعد ذلك تعليم القادة من بعده: أن قناعة الجند بأمر من أمور الحرب أمر مهم لأن الجندي الذي يخرج إلى ميدان الجهاد عن جبر وإكراه لا يوجد عنده من الحماس ما يوجد عند من يخرج عن رغبة صادقة واقتناع تام.
وقد كان لا يأخذ - فيما يتعلق بنتائج المشاورة - برأي الأكثرين إذا ظهر صوابه، وقد قرر ذلك بقوله وفعله:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الضيعة: هي ما يكون منه معاش الرجل كالتجارة والزراعة والصناعة وغيرها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 108/ 3؛ ولسان العرب 559/ 2.
(2) مصنف عبدالرزاق 393/ 0.
(3) البداية والنهاية 12/ 4.
(4) هذا جزء من حديث سبق تخريجه في ص 149.
(5) انظر نظر زاد المعاد 211/ 3.
(6) انظر العبقرية العسكرية في غزوات الرسول - ص 407.