فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 2268

وأما هذه الآية فهي في حكم آخر. وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، أو ترغب في خلع نفسها منه، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الإفضاء. لأنه لو أبيح له الأخذ حينئذ لكان ظلما واضحا. لأنه أخذ بلا جريرة منها. فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين. وليت شعري ماذا يقول

في الحديث المرويّ في البخاري «1» وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت: «أتردّين عليه حديقته!

فقالت: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم لزوجها: اقبل الحديقة وطلقها».

ولا يقال: لعل القائل بنسخ الخلع اعتمد فيه قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} . إلخ. وفيه ما فيه من تهويل الأخذ والتنفير عنه كما أسلفنا. لأنا نقول إن دلائل الأحكام الناسخة أو المنسوخة إنما تؤخذ من الجمل التامة في الأصلين. فلا تؤخذ من شرط بلا جوابه مثلا. وبالعكس.

ولا من مبتدأ بدون خبره وبالعكس. ولا من مؤكد بدون مؤكدة. وهكذا. وما نحن فيه لو أخذ عموم تحريم الأخذ من قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ - لكان كالاستدلال من المؤكد بدون ملاحظة مؤكدة. وهذا ساقط. لأنّ قوله: وَكَيْفَ} تنفير عما تقدم، متعلق به. وما قبله خاص. ولو زعم القائل بالنسخ أن قوله: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ} عام في المخلوعة ومن أريد طلاقها - نقول هذا باطل وفاسد. لأن مورد الآية في إرادته، هو فراقها مبتدئا. فلا يصدق على المختلعة. لأنه لا يراد الاستبدال بغيرها ابتداء من جانب الزوج. وبالجملة فكل من قرأ صدر الآيتين على أن كلا في حكم على حدة. لا تعلق فيها له بالآخر. والنسخ لا يصار إليه بالرأي. وقد كثر في المتأخرين دعوى النسخ في الآيات هكذا بلا استناد قويّ. بل لما يتراءى ظاهرا بلا إمعان. فتثبت هذا.

وفي الصحيحين «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين، بعد فراغهما من تلاعنهما: «الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب؟ قالها ثلاثا. فقال الرجل: يا رسول الله: مالي؟ يعني ما أصدقها. قال: لا مال لك. إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها. وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها» .

وفي سنن أبي داود «3» وغيره، عن بصرة بن أكثم أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها. فإذا هي حامل من الزنى. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقضى لها بالصداق وفرق بينهما. وأمر بجلدها.

وقال: الولد عبد لك، والصداق في مقابلة البضع.

(1) أخرجه البخاريّ في: الطلاق، 12 - باب الخلع وكيفية الطلاق منه، حديث 2153 ونصه: عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقبل الحديقة وطلقها تطليقة» .

(2) أخرجه البخاريّ في: الطلاق، 32 - باب صداق الملاعنة، حديث 2164 ونصه: عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل قذف امرأة؟ فقال: فرّق النبيّ صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني عجلان.

وقال: «الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟» فأبيا.

وقال: «الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟» فأبيا. فقال «الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ فأبيا ففرّق بينهما ... وفي: 33 - باب قول الإمام للمتلاعنين: أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ زاد: قال (الرجل) : ما لي؟ قال «لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها. وإن كنت كذبت عليها، فذاك أبعد ذلك.

(2) أخرجه أبو داود في: النكاح، 37 - باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى، حديث 2131 ونصه: عن سعيد بن المسيّب عن رجل من الأنصار يقال له بصرة (بن أكثم) قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها. فدخلت عليها فإذا هي حبلى. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لها الصداق بما استحللت من فرجها. والولد عبد لك. فإذا ولدت فاجلدها» . وفي رواية: (فاجلدوها) وفي أخرى: (فحدّوها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت