فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 255]

قال المهايميّ: السنة فتور يتقدم النوم. والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه من رطوبات أبخرة متصاعدة تمنع الحواس الظاهرة عن الإحساس.

فهما منقصان للحياة منافيان للقيومية، لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم. ونفي النوم أوّلا التزاما، ثم تصريحا، ليدل كمال نفيه على ثبوت كمال ما ينافيه. ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليه بقوله {لَهُ ما فِي السَّماواتِ} من الملائكة والشمس والقمر والكواكب {وَما فِي الْأَرْضِ} من العوالم المشاهدات.

وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه. كقوله: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} [مريم: 93 - 94] .

(تنبيه)

آية الكرسيّ هذه لها شأن عظيم وفضل كبير. وقد صح الحديث «1» عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب الله وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم، وقد ساق ما ورد في فضلها الإمام ابن كثير في (تفسيره) والجلال السيوطيّ في (الدر المنثور) فانظرهما.

قال الزمخشريّ: فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد.

قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار.

وقد حكى السيوطيّ في (الإتقان) عن الأشعريّ والباقلانيّ وابن حبان المنع من أن يقال في القرآن فاضل وأفضل. قالوا: وما ورد مما يفيد ذلك محمول على الأعظمية في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقد ردّ ذلك غير واحد، حتى قال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل.

وقال الغزاليّ في (جواهر القرآن) : لعلك أن تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله. فكيف يتفاوت بعضها بعضا، وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسيّ وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع على اعتقاد نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلّى الله عليه وسلم فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال: يس قلب القرآن «2» . وفاتحه الكتاب أفضل سور القرآن «3» .

وآية الكرسيّ سيدة آي القرآن. وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن «4» .

والأخبار الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها - لا تحصى. انتهى.

(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة 461 من ج 6 ونصه: عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول في هذين الآيتين: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. والم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، أن فيهما اسم الله الأعظم

(2) أخرجه الترمذيّ في: ثواب القرآن، 7 - باب ما جاء في فضل يس. ونصه: عن أنس قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» .

(3) أخرجه البخاريّ في: التفسير، 1 - سورة الفاتحة، 1 - باب ما جاء في فاتحة الكتاب. ونصه: عن أبي سعيد بن المعلّى قال: كنت أصلي في المسجد. فدعاني رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلم أجبه. فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي. فقال «ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ؟ ثم قال «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد» ثم أخذ بيدي. فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .

(4) أخرجه البخاريّ في: فضائل القرآن، 13 - باب فضل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. ونصه: عن أبي سعيد الخدريّ أن رجلا سمع رجلا يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، يرددها. فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. وكأن الرجل يتقالّها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت