فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 86]
وفي الآية فوائد شتى:
الأولى - نكتة نظمها مع آيات الجهاد هو التمهيد لمنع المؤمنين من قتل من ألقى إليهم السلام في الحرب الآتي قريبا، ببيان أن لكل مسلّم حقا يؤدى إليه. وذلك لأن السلام نوع من الإكرام. والمكرم يقابل بمثل إكرامه أو أزيد. قال الرازيّ: إن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه. فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله. وربما ظهر أنه كان مسلما. فمنع الله المؤمنين عنه.
وأمرهم أن كل من يسلّم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد.
فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم، إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما، وقتله، ففيه أعظم المضار والمفاسد. ولذا قال: {إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} . أي هو محاسبكم على كل أعمالكم. وكاف في إيصال جزاء أعمالكم إليكم. فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. فهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء. والمنع من إهدارها.
وقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيّا. ذلك بأن الله يقول: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها} .
قال السيوطيّ في (الإكليل) : في هذه الآية مشروعية السلام ووجوب رده. واستدل بها الجمهور على رد السلام على كل مسلّم، مسلما كان أو كافرا. لكن مختلفان في صيغة الرد.
الثانية - ورد في إفشاء السلام أحاديث كثيرة.
منها قول البراء بن عازب رضي الله عنهما: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، منها: وإفشاء السلام. رواه الشيخان «2» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» . رواه مسلم «3» .
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» .
قال الترمذيّ «4» : حديث صحيح.
(1) أخرجه البخاريّ في: الاستئذان، 22 - باب كيف يرد على أهل الذمة السلام، حديث 2375. [ ]
(2) أخرجه البخاريّ في: النكاح، 71 - باب حق إجابة الوليمة والدعوة، حديث 662 ونصه: عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: أمرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإفشاء السلام وإجابة الداعي. ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة وعن الميثار والقسّيّة والإستبرق والديباج.
(3) أخرجه مسلم في: الإيمان، حديث 73.
(4) أخرجه الترمذيّ في: القيامة، 42 - باب حدثنا محمد بن بشار، ونصه: عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه: وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئت في الناس لأنظر إليه. فلما استثبتّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وكان أول شيء تكلم به أن قال ...