القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 إلى 86]
(وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86)
(تنبيهات)
الأول - قال الحافظ ابن كثير: في ذكر عيسى عليه السلام، في ذرية إبراهيم أو نوح (على القول الآخر) دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أمه مريم عليهما السلام، وقد روى ابن أبي حاتم أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبيّ صلى الله عليه وسلم، تجده في كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟! قال: أليس تقرأ سورة الأنعام وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ ... حتى بلغ: وَيَحْيى وَعِيسى قال:
بلى! قال: أليس من ذرية إبراهيم، وليس له أب؟ قال: صدقت! فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم. فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد
وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم، لما
ثبت في صحيح البخاري «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن عليّ: إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فسماه (ابنا) فدل على دخوله في الأبناء.
وقال آخرون: هذا تجوّز: انتهى.
وفي (العناية) : أورد على الاستدلال بتناول الذرية أولاد البنت من هذه الآية، بأن عيسى عليه السلام ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه، فلا يظهر قياس غيره عليه. والمسألة مختلف فيها، والقائل بها استدل بهذه الآية، وآية المباهلة، حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله عنهما بعد ما نزل: {نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ} [آل عمران: 61] . إن لم نقل إنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
الثاني - إنما لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخّر ذكره عنه، لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب، وأما إسماعيل فلم يخرج من صلبه من الأنبياء إلا خاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم. ولا يقتضي المقام ذكره صلى الله عليه وسلم لأنه أمر أن يحتج على العرب في نفي الشرك بأن إبراهيم لما ترك قومه وما يعبدون إلى عبادة الله وحده، رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومنها إيتاؤه أولادا أنبياء. فإذا كان المحتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكر في هذا المعرض. ولهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق - أفاده الرازي -.
الثالث - اعلم أنه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيّا من الأنبياء عليهم السلام من غير ترتيب، لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل، لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
ولكن هنا لطيفة في هذا الترتيب، وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء، وإليهم ترجع أنسابهم جميعا. ثم من المراتب المعتبرة، بعد النبوة، الملك والقدرة والسلطان. وقد أعطى الله داود وسليمان من ذلك حظّا وافرا. ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد، وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام. ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما، وهو يوسف عليه السلام، فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة، ثم من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات، وقوة البراهين، وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر. ثم من المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا، والإعراض عنها، وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس عليهم السلام، ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين، ثم ذكر الله من بعد هؤلاء الأنبياء، من لم يبق له أتباع ولا شريعة، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط. فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه، كان هذا الترتيب من أحسن شيء يذكر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه - أفاده الخازن وأصله للرازيّ -.
الرابع - استدل بقوله تعالى: وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ من يرى أن الأنبياء أفضل من الملائكة. لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملك.
الخامس - نكتة ذكر (الهداية) في قوله تعالى {كُلًّا هَدَيْنا} هو تعديد النعم على إبراهيم صلى الله عليه وسلم بشرف الأصول والفروع - كما أسلفنا - والولد لا يعدّ نعمة ما لم يكن مهديّا.
السادس - قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى: {كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا} من أنكر إفادة التقديم الحصر.
(1) أخرجه البخاري في: الفتن، 20 - باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم للحسن بن عليّ: إن بني هذا لسيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين، حديث 1307 ونصه: حدثنا الحسن قال: لما سار الحسن بن عليّ رضي الله عنهما إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولّى حتى تدبر أخراها. قال معاوية: من لذراري المسلمين؟
قال الحسن: ولقد سمعت أبا هريرة قال: بينا النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»