القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 61]
قال الزمخشريّ: فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟
قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك. ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلم ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.
وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمت كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق.
وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدّمون على الأنفس مفدّون بها. وفيه دليل، لا شيء أقوى منه، على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبيّ صلّى الله عليه وسلم. لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
(فائدة)
استنبط من الآية جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلّى الله عليه وسلم. والمباهلة الملاعنة.
قال الكازروني في تفسيره: وقع البحث عند شيخنا العلامة الدوانيّ قدس الله سره في جواز المباهلة بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار، وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا، وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها.