القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 154]
{وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ} أي ليعاملكم معاملة الممتحن، ليستخرج ما في صدوركم من الإخلاص والنفاق، ليجعله حجة عليكم، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه وهو علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية، للإيذان بكثرتها. كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي ... إلخ، أو لفعل مقدر بعدها، أي: وللابتلاء المذكور فعل ما فعل، لا لعدم العناية بأمر المؤمنين. وجعلها عللا ل (برز) يأباه الذوق السليم. فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول، لا بيان حكمة البروز المفروض - أفاده أبو السعود -
ثم ذكر تعالى حكمة أخرى بقوله {وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ} أي يخلصه وينقيه ويهذبه، فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة - ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبرّ والتقوى. فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص منه. فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقضي لها من المحن والبلاء، ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء. إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك.
فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم. فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا - أفاده ابن القيّم.
وقال القاشانيّ: البلاء سوط من سياط الله، يسوق به عباده إليهم بتصفيتهم عن صفات نفوسهم، وإظهار ما فيهم من الكمالات، وانقطاعهم من الخلق إلى الحق.
ولهذا كان متوكّلا بالأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله: ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت.
كأنه قال: ما صفى نبيّ مثل ما صفيت. ولقد أحسن من قال:
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده.