القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 46]
(لطيفة)
قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف قيل هاهنا {عَنْ مَواضِعِهِ} وفي المائدة {مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} ؟
قلت: أما {عَنْ مَواضِعِهِ} فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه.
وأما {مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} فالمعنى أنه كانت له مواضع، هو قمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه. والمعنيان متقاربان.
وقال الرازي: ذكر الله تعالى هاهنا {عَنْ مَواضِعِهِ} وفي المائدة {مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} والفرق: أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ} معناه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص. وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب.
وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين. فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب. فقوله {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} إشارة إلى التأويل الباطل.
وقوله {مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} إشارة إلى إخراجه عن الكتاب.
وقال الناصر في (الانتصاف) : الظاهر أن الكلم المحرف إنما أريد به، في هذه الصورة مثل {غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا} ولم يقصد هاهنا تبديل الأحكام. وتوسطها بين الكلمتين، بين قوله {يُحَرِّفُونَ} وبين قوله {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} والمراد أيضا تحريف مشاهد بيّن على أن المحرف هما وأمثالهما.
وأما في سورة المائدة فالظاهر، والله أعلم، أن المراد فيها ب {الْكَلِمَ} الأحكام. وتحريفها تبديلها. كتبديلهم الرجم بالجلد. ألا تراه عقبه بقوله {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} ؟
ولاختلاف المراد بالكلم في السورتين. قيل في سورة المائدة: يحرفون الكلم من بعد مواضعه. أي ينقلونه عن الموضع الذي وضعه الله فيه، فصار وطنه ومستقره، إلى غير الموضع. فبقي كالغريب المتأسف عليه الذي يقال فيه هذا غريب من بعد مواضعه ومقارّه. ولا يوجد هذا المعنى في مثل {راعِنا} و {غَيْرَ مُسْمَعٍ} وإن وجد على بعد فليس الوضع اللغويّ مما يعبأ بانتقاله عن موضعه كالوضع الشرعيّ. ولولا اشتمال هذا النقل على الهزء والسخرية لما عظم أمره. فلذلك جاء هنا {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ} غير مقرون بما قرن به الأول من صورة التأسف. والله أعلم. انتهى.
وقال العلامة أبو السعود: والمراد بالتحريف هاهنا، إما ما في التوراة خاصة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصادرة عنهم في أثناء المحاورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا مساغ لإرادة تلك الكلمات خاصة بأن يجعل عطف قوله تعالى {وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا} وما بعده، على ما قبله عطفا تفسيريا. لأنه يستدعي اختصاص حكم الشرطية الآتية وما بعدها بهنّ من غير تعرض لتحريفهم التوراة. مع أنه معظم جناياتهم المعدودة فقولهم {سَمِعْنا وَعَصَيْنا} ينبغي أن يجري على إطلاقه من غير تقييد بزمان أو مكان ولا تخصيص بمادة دون مادة. بل وأن يحمل على ما هو أعم من القول الحقيقيّ ومما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم. أي يقول في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم أو لا، بلسان المقال أو الحال: سَمِعْنا وَعَصَيْنا عنادا أو تحقيقا للمخالفة. انتهى.
فإن قلت: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا {سَمِعْنا وَعَصَيْنا} ؟
قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. كذا في الكشاف.
{لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ} في الدنيا بحقن دمائهم وأموالهم وعلوّ رتبتهم بإحاطة الكتب السماوية. وفي الآخرة بضعف الثواب. أفاده المهايميّ.
قال أبو السعود: وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفضل في المفضل عليه بناء على اعتقادهم. أو بطريق التهكم. وإما بمعنى اسم الفاعل.