فهرس الكتاب

الصفحة 1807 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 109]

وتخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم. كيف لا؟

وذلك يوم مجموع له الناس، بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم. بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم

{فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ} أي: ما الذي أجابكم من أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن عهدة الرسالة. إذ لم يقل: هل بلّغتم رسالاتي؟ وفي توجيه السؤال إليهم. والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم بأن يقال: ماذا أجابوا - من الإنباء عن شدة الغضب الإلهيّ ما لا يخفى.

وفي (الصحيح) «1» في حديث الشفاعة: إنّ ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله.

قالُوا من هيبته تعالى، وتفويضا للأمر إلى علم سلطانه وتأدّيا بليغا في ذاك الموقف الجلاليّ {لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} أي: ومن علم الخفيات، لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة أممهم لهم.

(تنبيه)

قال الزمخشريّ فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟

قلت: توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد. فإن قلت: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا بما أجيبوا؟

قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه، وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفتّ في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم. إذا اجتمع توبيخ الله وتشكّي أنبيائه عليهم.

ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان، خاصة من خواصّه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجيّ؟ (وهو عالم بما فعل به) يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له:

أنت أعلم بما فعل بي، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهارا للشكاية، وتعظيما لما حلّ به منه. انتهى.

واستظهر الرازيّ أن نفي العلم لهم على حقيقته عملا بما تقرر من أن العلم غير الظن. قال: لأن الحاصل من حال الغير عن كل أحد إنما هو الظن لا العلم.

وفي الحديث: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر،

وقال «2» صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار»

، فالأنبياء قالوا: لا علم لنا ألبتة بأحوالهم. إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن. والظن كان معتبرا في الدنيا.

وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن. لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا: لا علم لنا. ولم يذكروا ما معهم من الظن. لأن الظن لا عبرة به في القيامة. والله أعلم.

(1) أخرجه البخاري في: الأنبياء، 3 - باب قول الله عز وجلّ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، حديث 1579 عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم في: الإيمان، حديث 327 و 328.

(2) أخرجه البخاري في: الشهادات، 27 - باب من أقام البينة بعد اليمين، حديث 1212 عن أم سلمة.

وأخرجه مسلم في: الأقضية، حديث 4 و 5 و 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت