القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 31]
(لطيفة)
قال الخفاجي في (العناية) : قيل:
روي عن عليّ رضي الله عنه أنه نظم أبياتا على وفق هذه الآية، وفي معناها وهي:
زعم المنجم والطبيب، كلاهما ... لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صحّ قولكما فلست بخاسر ... أو صحّ قولي، فالخسار عليكما
قال الخفاجي: لا أدري من أيهما أعجب؟ الرواية أم الدراية؟ فإن هذا الشعر لأبي العلاء المعرّى في ديوانه وهو:
قال المنجم والطبيب، كلاهما: ... لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صحّ قولكما فلست بخاسر ... أو صحّ قولي فالخسار عليكما
أحي التّقى والشر يصطرعان في الدّ ... نيا فأيهما أبرّ لديكما
طهّرت ثوبي للصلاة وقبله ... جسدي. فأين الطهر من جسديكما
وذكرت ربي في الضمائر مؤنسا ... خلدي بذاك فأوحشا خلديكما
وبكرت في البردين أبغي رحمة ... منه، ولا ترعان في برديكما
إن لم تعد بيدي منافع بالذي ... آتي، فهل من عائد بيديكما
برد التقيّ، وإن تهلهل نسجه ... خير، بعلم الله من برديكما
قال ابن السيد في (شرحه) . هذا منظوم مما روي عن عليّ رضي الله عنه، أنه قال لبعض من تشكك في البعث والآخرة: إن كان الأمر كما تقول من أنه لا قيامة، فقد تخلصنا جميعا، وإن لم يكن الأمر كما تقول، فقد تخلصنا وهلكت. فذكروا أنه ألزمه فرجع عن اعتقاده. وهذا الكلام، وإن خرج مخرج الشك. فإنما هو تقرير للمخاطب على خطابه، وقلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه. مع أن المناظر علي ثقة من أمره، وهو نوع من أنواع الجدل.
وقوله: (إليكما) كلمة يراد بها الردع والزجر. ومعناها: كفّا عما تقولان، وحقيقته: قولكما مصروف لكما، لا حاجة لي به. انتهى.
ومن له معرفة بقرض الشعر، يعلم أنه شعر مولد.
ثم نبه الخفاجيّ على أن هذا النوع يسمى استدراجا.
قال في (المثل السائر) : الاستدراج نوع من المبالغة استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، يستدرج الخصم حتى ينقاد ويذعن، وهو قريب من المغالطة، وليس منها. كقوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] . ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله: (إن يك كاذبا فهذه عائد عليه، وإن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به) ، ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى. فإنه نبيّ صادق، فلا بد أن يصيبهم كل ما وعد به، لا بعضه، لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم، لما فيه من الملاطفة في النصح، بكلام منصف غير مشتطّ مشدّد. أراهم أنه لم يعطه حقه، ولم يتعصب له، ويحام عنه، حتى لا ينفروا عنه. ولذا قدم قوله كاذِباً، ثم ختم بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلخ، يعني: أنه نبيّ على الهدى، ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوة وعضده. وفيه من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى. انتهى.
وقوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ} حال من فاعل قالُوا، فائدته الإيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة على ما فات وزال، بل يقاسون، مع ذلك، تحمل الأوزار الثقال. والإيماء إلى أن تلك الحسرة من الشدة، بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات - قاله أبو السعود -.