القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 210]
{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي: فمن كانوا نافذي الملك والتصرف في الدنيا، فإنّ ملكهم وتصرّفهم مستردّ منهم يوم القيامة وراجع إليه تعالى، يقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استردّ ما كان فوضه إليهم. أو عنى ب {الْأُمُورُ} الأرواح والأنفس دون الأجسام، وسمّاها أمورا من حيث إنها إبداعات مشار إليها بقوله: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] . فهي من الإبداع الذي لا يمكن من البشر تصوره فنبّه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة وعلى نحو ذلك قال: {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] . ويكون رجوعها إما بربح وغبطة، وإمّا بندامة وحسرة. قاله الإمام الراغب.
قال أبو مسلم: إنه تعالى قد ملّك كلّ أحد في دار الاختبار والبلوى أمورا، امتحانا فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كلّه لله وحده. وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم - كما أمر - ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى.
وقد قرئ في السبع (ترجع) بضمّ التاء بمعنى تردّ، وبفتحها بمعنى تصير، كقوله تعالى: {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 53] .
قال القفال: والمعنى في القراءتين متقارب. لأنها ترجع إليه تعالى، وهو سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.