فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 143]

(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ(143)

قال الراغب الأصفهاني: إن قيل: على أي وجه شهادة النبي صلّى الله عليه وسلّم على الأمة وشهادة الأمة على الناس؟

قيل: الشاهد هو العالم بالشيء المخبر عنه مثبتا حكمه. وأعظم شاهد من ثبت شهادته بحجة. ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر، وكمله ببعثة الأنبياء، وخصّ هذه الأمة بأتم كتاب، كما وصفه بقوله {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ، وقوله {وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، فأفادناه عليه السلام وبينه لنا - صار حجة وشاهدا أن يقولوا {ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ} [المائدة: 19] .

وجعل أمته، المتخصصة بمعرفته، شهودا على سائر الناس.

(إن قيل) هل أمته شهود كلهم أم بعضهم؟

(قيل) كلهم ممكن من أن يكونوا شهداء. وذلك بشريطة أن يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح، فمن لم يزك نفسه لم يكن شاهدا ومقبولا.

ولذلك قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها} [الشمس: 9] وعلى هذا قال {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] ، فالقيام بالقسط مراعاة العدالة. وهي، بالقول المجمل، ثلاث: عدالة بين الإنسان ونفسه - وعدالة بينه وبين الناس - وعدالة بينه وبين الله عز وجل. فمن رعى ذلك فقد صار عدلا شاهدا لله عز وجل.

(إن قيل) فهل هم شهود على بعض الأمة أم على الناس كافة؟

(قيل) بل كلّ شاهد نفسه وعلى أمته وعلى الناس كافة. فإن من عرف حكمة الله تعالى وجوده وعدله ورأفته، علم أنه لم يغفل تعالى عنه ولا عن أحد من الناس، ولا بخل عليهم ولا ظلمهم، ومن علم ذلك فهو شاهد لله على من في زمانه وعلى من قبله ومن بعده. وعلى هذا الوجه ما روي في الخبر أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم. انتهى كلام الراغب.

والخبر الذي أشار إليه رواه البخاري عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول:

محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا».

(لطيفة) العقبين تثنية عقب وهو مؤخر القدم. والانقلاب عليهما استعارة تمثيلية. وهذه الاستعارة نظير قوله تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} [المدثر: 23] ، وكقوله كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه: 48] .

(تنبيه)

قال الراغب رحمه الله: ما وجه قوله {إِلَّا لِنَعْلَمَ} وذلك يقتضي استفادة علم. ولم يزل، تعالى، عالما بما كان وبما يكون؟

(قيل) : إن ذلك من الألفاظ التي لولا السمع لما تجاسرنا على إطلاقها عليه تعالى. ومجاز ذلك على أوجه:

(الأول) أن اللام في مثل ذلك تقتضي شيئين: حدوث الفعل في نفسه وحدوث العلم به. ولما كان علم الله لم يزل ولا يزال، صار اللام فيه مقتضيا حدوث الفعل لا حدوث العلم.

(والثاني) أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به. والله تعالى علمهم، قبل أن يتبعوه، غير تابعين. وبعد أن تبعوه علمهم تابعين.

وهذا الجواب

هو في الحقيقة الأول. لأن التغيير داخل في المعلوم لا في العلم.

(والثالث) معناه ليعلم غيرنا بنا. فنسب ذلك إلى نفسه. كقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها} [الزمر: 42] ، وفي موضع آخر {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] ، وقال تعالى: {وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] ،

وإنما علّمه بملائكته.

(والرابع) معناه لنجازي. وذلك متعارف. نحو قولك: سأعلم حسن بلائك. أي سأجزيك على حسب مقتضى علمي قبل. فعبّر عن الجزاء بالعلم لما كان هو سببه.

(والخامس) أن عادة الحليم إذا أفاد غيره علما أن يقول: تعال حتى نعلم كذا.

وإنما يريد إعلام المخاطب. لكن يحله نفسه محل المشارك للمتعلم على سبيل اللطف. انتهى.

وقوله تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ}

وإنما عدل إلى لفظ الإيمان، الذي هو عام في الصلاة وغيرها، ليفيدهم أنه لم يضع شيء مما عملوه، ثم يصح عنهم، فيندرج المَسْئُول عنه اندراجا أوليا، ويكون الحكم كليا.

وذكر بلفظ الخطاب دون الغائب، ليتناول الماضيين والباقين، تغليبا لحكم المخاطب على الغائب في اللفظ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة، بما اتصف به من الرأفة المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت