القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 82]
وقال أبو بكر الأصم: إن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر. وكان الله تعالى يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على ذلك. ويخبره بها مفصلة. فقيل لهم إن ذلك، لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولوقع فيه الاختلاف. فلما لم يقع ذلك قط، علم أنه بإعلامه تعالى.
وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم في البلاغة، فمما لا يساعده السباق ولا السياق. أفاده أبو السعود.
(تنبيه)
دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال. وعلى القول بفساد التقليد. لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته. أفاده الرازيّ.
وفي الآية، أيضا، الحث على تدبر القرآن ليعرف إعجازه من موافقته للعلوم واشتماله على فوائد منها. وكمال حججه وبلاغته العليا. وموافقة أحكامه للحكمة. وأخباره الماضية لكتب الأولين، والمستقبلة للواقع.
قال الحافظ ابن حجر: من أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. انتهى.
وقد روى البخاريّ «1» في صحيحه تعليقا عن ابن عون (وهو عبد الله البصريّ، من صغار التابعين) ، أنه قال: ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني: هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها. والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه. ويدعوا الناس إلّا من خير. وفي رواية (فيتدبروه) بدل (يتفهموه) .
قال الكرمانيّ: قال في القرآن: يتفهموه، وفي السنة: يتعلموها. لأن الغالب أن المسلم يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه. فلهذا أوصى بتفهم معناه وإدراك منطوقه. انتهى.
وفي بقية الآية العذر للمصنفين فيما يقع لهم من الاختلاف والتناقض. لأن السلامة عن ذلك من خصائص القرآن.
(1) أخرجه البخاريّ في: الاعتصام، 2 - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً.