القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 75]
{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} أي: مبالغة في الصدق. ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ} . والوصف بذلك مشعر بالإغراق في العبودية والقيام بمراسمها. فمن أين لهم أن يصفوها بما يباين وصفها؟
(تنبيه)
قال ابن كثير:
دلت الآية على أن مريم ليست بنبيّه. كما زعمه ابن حزم وغيره - ممن ذهب إلى نبوّة سارة أم إسحاق ونبوّة أم موسى ونبوّة أم عيسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} . وهذا معنى النبوّة. والذي عليه الجمهور أنّ الله لم يبعث نبيا إلّا من الرجال. قال الله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى} [يوسف: 109] .
وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعريّ، رحمه الله، الإجماع على ذلك. انتهى.
(فائدة: في حقيقة الصديق والصدق) :
قال العارف القاشانيّ قدس الله سرّه في (لطائف الأعلام) :
الصدّيق الكثير الصدق. كما يقال: سكّيت وصرّيع إذا كثر منه ذلك.
والصديق من الناس من كان كاملا في تصديقه لما جاءت به رسل الله علما وعملا، قولا وفعلا وليس يعلو على مقام الصديقية إلّا مقام النبوّة. بحيث إن من تخطى مقام الصديقية حصل في مقام النبوّة. قال الله تعالى: {أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [مريم: 58] . الآية.
فلم يجعل تعالى بين مرتبتي النبوة والصديقية مرتبة أخرى تتخللهما. ثم بيّن قدس سره صدق الأقوال، وصدق الأفعال، وصدق الأحوال.
(فالأول) هو موافقة الضمير للنطق.
قال الجنيد: حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك فيه إلّا الكذب. و (صدق الأفعال) هو الوفاء لله بالعمل من غير مداهنة.
قال المحاسبيّ: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل إصلاح قلبه. ولا يحب اطّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله. ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من حاله. لأن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم. وليس هذا من أخلاق الصدّيقين.
و (صدق الأحوال) اجتماع الهم على الحق، بحيث لا يختلج في القلب تفرقة عن الحق بوجه.
وقوله تعالى: {كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ} استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر البشر في الافتقار إلى الغذاء. وفيه تبعيد عما نسب إليهما.
قال الزمخشريّ: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة، مع شهوة وقرم وغير ذلك .. مما يدل على أنه مصنوع مؤلّف مدبّر كغيره من الأجسام.