فهرس الكتاب

الصفحة 1853 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 23]

قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟.

قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه، من غير تمييز بينهما، حيرة ودهشا، ألا تراهم يقولون: {رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ} [المؤمنون: 107] ؟ وقد أيقنوا بالخلود، ولم يشكوا فيه. {وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} [الزخرف: 107] . وقد علموا أنه لا يقضي عليهم.

وأما قول من يقول: معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ} يعني في الدنيا - فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عيّ وإفحام. لأن المعنى الذي ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبوّ.

وما أدري ما يصنع، من ذلك تفسيره، بقوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ} [المجادلة: 18] . بعد قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى.

والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي عليّ الجبائيّ والقاضي.

فإنهما ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازيّ. فلتنظر ثمّت، فإنا لا نسوّد وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت