القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 111]
{تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ} جملة معترضة مبينة لبطلان ما قالوا. والأمانيّ جمع أمنية وهي ما يتمنى. كالأعجوبة والأضحوكة.
فإن قيل: قوله لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أمنية واحدة، فلم قال: أمانيهم؟
أجيب: بأن الجمع باعتبار صدوره عن الجميع.
وأجاب صاحب الانتصاف بأنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية ومعاودتهم لها وتأكدها في نفوسهم، جمعت. ليفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك، وإن كان مؤداه واحدا.
ونظيره قوله: معى جياع. فجمعوا الصفة. ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد، تأكيد لثبوتها وتمكنها.
وهذا المعنى أحد ما روي في قوله تعالى: {إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] فإنه جمع (قليلا) وقد كان الأصل إفراده فيقال (لشرذمة قليلة) كقوله تعالى {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} [البقرة: 249] لولا ما قصد إليه من تأكيد معنى القلة بجمعها. ووجه إفادة الجمع في مثل هذا للتأكيد، أن الجمع يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فنقل إلى تأكيد الواحد، وإبانة زيادته على نظرائه، نقلا مجازيا بديعا، فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة البيان. والله الموفق.