فهرس الكتاب

الصفحة 1778 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 102]

قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: سألوا هذه المسألة، لكن لا عينها، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ} أي: بسببها. حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.

والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرّض لما تعرّضوا له.

(فصل)

رأيت في (موافقات) الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى، في أواخرها - في هذا الموضوع - مبحثا جليلا، قال في أوله:

الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى ... - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا - ثم قال: ... والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه. وكان يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم .. ثم قال: ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع:

(أحدها) : السؤال عمّا لا ينفع في الدين، كسؤال «1» عبد الله بن حذافة: من أبي؟

وروي في (التفسير) أنه عليه السلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط

ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله:

{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ... } [البقرة: 189] الآية

، فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين.

و (ثانيها) : أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج «2» : أكلّ عام؟ مع أن قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] ، قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... } [البقرة: 67] .

و (ثالثها) : السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا - والله أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: ذروني ما تركتكم.

وقوله: وسكت عن أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها.

و (رابعها) : أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي «3» عن الأغلوطات.

و (خامسها) : أن يسأل عن علة الحكم - وهو من قبيل التعبدات، أو السائل ممّن لا يليق به ذلك السؤال - كما في حديث «4» قضاء الصوم دون الصلاة.

و (سادسها) أن يبلغ بالسؤال إلى حدّ التكلف والتعمّق، وعلى ذلك يدلّ قوله تعالى: {قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] ،

(1) أخرجه البخاري في: العلم، 29 - باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدّث، حديث 80 عن أنس بن مالك. [ ]

(2) أخرجه مسلم في: الحج، حديث 412 ونصه: عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكلّ عام؟ يا رسول الله! فسكت.

حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم» ثم قال «ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» .

(3) أخرجه أبو داود في: العلم، 8 - باب التوقي في الفتيا، حديث 3656 ونصه: عن معاوية أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلوطات.

(الغلوطات) بفتح الغين المعجمة وضم اللام - وهي المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلّوا فيها فيهيج بذلك شر وفتنة. وهي جمع غلوطة - بالفتح - ثم قيل: هي مثل حلوبة وركوبة، إذا جعلا اسمين.

وقيل: أصلها أغلوطة، خففت بطرح الهمزة. كما تقول: لحمر. وأنت تريد (الأحمر) .

محمد محي الدين عبد الحميد.

(4) أخرجه مسلم في: الحيض، حديث 69 ونصه: عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريّة أنت؟

قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: وكان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت