فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 274]

وفي تقديم الليل على النهار والسر على العلانية إيذان بمزية الإخفاء على الإظهار.

قال الحراليّ: فأفضلهم المنفق ليلا سرّا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية. فهم بذلك أربعة أصناف.

(لطائف)

لا يخفى أن في حضه تعالى على الإنفاق في هذه الآية الوافرة، وضربه الأمثال في الإحسان إلى خلقه ترغيبا وترهيبا، ما يدعو كل مؤمن إلى أن يتزكى بفضل ماله.

قال الإمام الغزاليّ عليه الرحمة في (الإحياء) ما نصه: في وجه الامتحان بالصدقات ثلاثة معاني: الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد، وشهادة بإفراد المعبود. وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد.

فإن المحبة لا تقبل الشركة. والتوحيد باللسان قليل الجدوى.

وإنما يمتحن به درجة الحب بمفارقة المحبوب. والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا.

وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت. مع أن فيه لقاء المحبوب. فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب، واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم.

ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] . وذلك بالجهاد. وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عزّ وجلّ. والمسامحة بالمال أهون.

ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم. فلم يدخروا دينارا ولا درهما. وقسم درجتهم دون من قبلهم، وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات. فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم. وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها. وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة.

وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة. كالنخعيّ والشعبيّ وعطاء ومجاهد.

وقسم يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. وهي أقل الرتب. وقد اقتصر جميع العوام عليه. لبخلهم بالمال وميلهم إليه، وضعف حبهم للآخرة. قال الله تعالى: {إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ} [محمد: 37] . يحفكم أي: يستقص عليكم. فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة، وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله. فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال. المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات.

قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» .

وقال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال. فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا. والزكاة، بهذا المعنى، طهرة. أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك.

وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه لله تعالى. المعنى الثالث شكر النعمة. فإن لله عزّ وجلّ على عبده نعمة في نفسه وفي ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن. والمالية شكر لنعمة المال، وما أخسّ من ينظر إلى الفقير، وقد ضيّق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت