القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 9]
(تنبيهات)
الأول: في إيثار (رجلا) على (بشرا) إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل، لا بطريق قلب الحقيقة، وتعيين لما يقع به التمثيل.
الثاني - في الآية بيان لرحمته تعالى بخلقه، وهو أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال. كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164] . الآية.
وقال تعالى: {قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا} [الإسراء: 95] .
الثالث: التعبير عن تمثيله تعالى (رجلا) باللبس إما لكونه في صورة اللبس، أو لكونه سببا للبسهم، أو لوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة. وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ملكا، كأنه قيل: لو فعلناه لفعلناه ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم - أفاده أبو السعود.
الرابع - جوز بعضهم وجها ثانيا في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً} وهو أن يكون جواب اقتراح ثان، على أن الضمير عائد للرسول، لا لمقترحهم السابق. قال:
لأنهم تارة يقولون: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وتارة يقول: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً} [فصلت: 14] . والمعنى: ولو جعلنا الرسول ملكا لمثلناه رجلا. والظاهر هو الوجه الأول.