القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 217]
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ...(217)
قال الراغب: إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرّفا نحو: سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا؟
قيل: في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإنّ قتال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال: أحلّت لي ساعة من نهار ولم تكن تحلّ لأحد قبلي «1» .
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}
وفي الآية إشعار بأنكم أحقّ بأن لا تزالوا تقاتلونهم. لأنهم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون، وأنهم على الباطل وهم مخذولون، ولا بدّ وإن طال المدى.
لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم. ومن وكل إلى نفسه ضاع. فالأمر الذي بينكم وبينهم أشدّ من الكلام. فينبغي الاستعداد له بعدّته، والتأهّب له بأهبته، فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعنا في الدين، وصدّا عن السبيل. أشار لذلك البقاعي.
ثم حذّر تعالى عن الارتداد بقوله: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} وهو الإسلام. وبناء صيغة الافتعال من الردّة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أنّ من باشر دين الحقّ يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك.
(1) أخرجه البخاريّ في: العلم، 39 - باب كتابة العلم. ونصه: عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه. فأخبر بذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فركب راحلته فخطب فقال:
«إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين. ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي. ألا وإنها حلّت لي ساعة من نهار. ألا وإنها ساعتي هذه، حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. فمن قتل فهو بخير النظرين. إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل» . فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال «اكتبوا لأبي فلان» فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله، فإن نجعله في بيوتنا وقبورنا.
فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «إلا الإذخر، إلا الإذخر»