فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 25]

(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ(25)

وقد أجمع السلف على أنّ الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص. ثم إنه إذا أطلق دخلت فيه الأعمال، لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«الإيمان بضع وستون شعبة - أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» «1» .

وإذا عطف عليه - كما في هذه الآية - فهنا، قد يقال: الأعمال دخلت فيه، وعطفت عطف الخاص على العام. وقد يقال: لم تدخل فيه، ولكن مع العطف - كما في اسم الفقير والمسكين. إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان - وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البرّ، والتقوى، والمعروف. وفي الإثم، والعدوان، والمنكر. تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبّر القرآن.

وقد بيّن حديث جبريل أنّ الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

وقوله تعالى: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} جمع (جنّة) : وهي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلّل بالتفاف أغصانه.

وإنما سميت «دار الثواب» بها مع أنّ فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور، لما أنّها مناط نعيمها، ومعظم ملاذّها. وجمعها مع التنكير: لاشتمالها على جنان كثيرة في كلّ منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها.

وقوله (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) صفة جنّات، ثم إن أريد بها الأشجار، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها، فلا بدّ من تقدير مضاف - أي من تحت أشجارها - وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار، فاعتبار التحتيّة بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحّح لإطلاق اسم الجنّة على الكل،

وإنما جيء ذكر الجنات - مشفوعا بذكر الأنهار الجارية - لما أنّ أنزه البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظلّلة، والأنهار في خلالها مطّردة، وفي ذلك النعمة العظمى واللذة الكبرى. واللام في الأنهار: للجنس: كما في قولك:

لفلان بستان فيه الماء الجاري - أو للعهد. والإشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى: {فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ... } [محمد: 15] الآية.

فإن قيل: كيف موقع قوله {وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا} من نظم الكلام؟

قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان، ونعم ما فعل. ورأى من الرأي كذا، وكان صوابا. ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] . وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير.

(1) أخرجه ابن ماجه في: المقدمة، باب في الإيمان، حديث 57 ونصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «الإيمان بضع وستون أو سبعون بابا. أدناها إماطة الأذى عن الطريق. وأرفعها قول: لا إله إلا الله. والحياء شعبة من الإيمان»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت