القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 188]
(تنبيه)
هذه الآية، وإن كانت محمولة على الكفار لما تقدم، ففيها ترهيب للمؤمنين عما ذم عليه أهلها من الإصرار على القبائح والفرح بها ومحبة المدح بما عرا عنه من الفضائل. ويدخل في ذلك المراؤون المتكثرون بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين «1» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة.
وفي الصحيحين «12» أيضا: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. فليحذر من يأتي بما لا ينبغي ويفرح به ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على الله تعالى.
(فائدة)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني، وفاعل الأول (الذين يفرحون) .
وأما مفعولاه فمحذوفان اكتفاء بمفعولي تَحْسَبَنَّهُمْ لأن الفاعل فيهما واحد. فالفاعل الثاني تأكيد للأول، وحسن لما طال الكلام المتصل بالأول. والفاء زائدة، إذ ليست للعطف ولا للجواب، وثمة وجوه أخرى.
(لطيفة)
تصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور، للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة، وقطع أطماعهم الفارغة، حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة، كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية، وعليه كان مبنى فرحهم.
وأما نهيه صلّى الله عليه وسلم فللتعريض بحسبانهم المذكور، لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته عليه الصلاة والسلام - أفاده أبو السعود.
(1) أخرجه مسلم في: الإيمان، حديث 176 ونصه: عن ثابت بن الضحاك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال «ليس على رجل نذر فيما لا يملك. ولعن المؤمن كقتله. ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب يوم القيامة. ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة. ومن حلف على يمين صبر فاجرة» .
(2) أخرجه البخاريّ في: النكاح، 106 - باب المتشبع بما لم ينل.
ومسلم في: اللباس، حديث 126 و 127.