القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 33]
{وَالْبَغْيَ} أي: الاستطالة على الناس وظلمهم. إنما أفرده بالذكر، مع دخوله فيما قبله، للمبالغة في الزجر عنه.
وذلك لأن تخصيصه بالذكر يقتضي أنه تميّز من بينها حتى عدّ نوعا مستقلّا.
وقيل: البغي قد يخرج عن كونه ظلما إذا كان بسبب جائز في الشرع، كالقصاص، إلا أنه مثله لا يسمى بغيا حقيقة، بل مشاكلة.
{وَقد حرّم أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً} أي: برهانا أي: ما لم يقم عليه حجة. قال الزمخشري: فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره.
وفي (العناية) : إنما جاء التهكم من حيث إنه يوهم أنه لو كان عليه سلطان لم يكن محرّما، دلالة على تقليدهم في الغي. والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معا على الوجه الأبلغ - انتهى -
قال الرازيّ: وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل. وتبعه القاضي فقال: في الآية تنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان.
(تنبيه)
قال الجشمي: تدل الآية على تحريم جميع الذنوب، لأن قوله (الفواحش والإثم) يشتمل على الصغير والكبير، والأفعال القبيحة، والعقود المخالفة للشرع، والأقاويل الفاسدة، والاعتقادات الباطلة.
ودخل في قوله {ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ} أفعال الجوارح، وأفعال القلوب والخيانات، والمكر، والخديعة، ودخل تحت قوله {وَالْبَغْيَ} كل ظلم يتعدى على الغير، فيدخل فيه ما يفعله البغاة والخوارج، والأمراء إذا انتصروا بغير حق. ودخل تحت قوله {وَأَنْ تُشْرِكُوا} تحريم كل شرك وعبادة لغير الله. ودخل تحت قوله {وَأَنْ تَقُولُوا} كل بدعة وضلالة وفتوى بغير حق، وشهادة زور ونحوه.
فالآية جامعة في المحرمات، كما أن ما قبلها جامعة في المباحات. وفيه تعليم للآداب، دينا ودنيا، وتدل على بطلان التقليد، لأنه أوجب اتباع الحجة، لقوله {ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً} والسلطان الحجة. وتدل على أن لكل أحد وقت حياة، ووقت موت، لا يجوز فيه التقديم والتأخير، فيبطل قول من يقول: المقتول مات قبل أجله. انتهى.