القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 12]
{ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} أي أن تسجد كما وقع في سورة (ص) . و (لا) مزيدة للتنبيه على أن الموبّخ عليه ترك السجود. ولتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه وتحقيقه، كما في قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ} [الحديد: 29] ، كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. وتوقف بعض المحققين في وجه إفادة (لا) النافية تأكيد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه، واستظهر الشهاب أنها لا تؤكده مطلقا، بل إذا صحبت نفيا مقدما أو مؤخرا صريحا أو غير صريح، كما في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} وكما هنا، فإنها تؤكد تعلق المنع به - انتهى -.
وقيل (ما منعك) محمول على (ما حملك وما دعاك) مجازا أو تضمينا.
وقال الراغب: المنع ضد العطية، وقد يقال في الحماية. والمعنى ما حماك عن عدم السجود. ولا يخفى أن السؤال عن المانع من السجود، مع علمه به، للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام. كما أوضحه قوله تعالى: {قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}
قال ابن كثير. هذا من العذر الذي هو أكبر من الذنب - انتهى -.
وإنما قال هذا، ولم يقل (منعني كذا) مطابقة للسؤال. لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة، ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول، مع ما في طيّها من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله.
فالجملة متضمنة للجواب بقياس استدلاليّ، وهي من الأسلوب الأحمق كما في قصة نمروذ. وقد علل ما ادعاه من الخيرية والفضل بزعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين، لأنها جوهر نورانيّ، وهو ظلمانيّ، ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة. كما نبه عليه بقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: 29] وباعتبار الغاية وهو ملاك الأمر، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما بين لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواصّ ليست لغيره. وبالجملة فالشيء كما يشرف بمادته، يشرف بفاعله وغايته وصورته، والثلاثة في آدم عليه السلام دونه، فاستبان غلطه.
وفي (اللباب) أن عدو الله إبليس جهل وجه الحق، وأخطأ طريق الصواب، لأن من المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب. وهذا الذي حمله، مع سابقة شقائه، على الاستكبار عن السجود لآدم عليه السلام، والاستخفاف بأمر ربه، فأورده ذلك العطب والهلاك. ومن جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت، وهذا كان الداعي لآدم عليه السلام، مع سابقة سعادته، إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت «1» : «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . رواه مسلم.
(1) أخرجه مسلم في: الزهد والرقاق، حديث 60.