فهرس الكتاب

الصفحة 1927 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 78]

{فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي} وتذكير اسم الإشارة لتذكير الخبر، أو لأنه أراد: هذا الطالع، أو الذي أراه، أو لصيانة الرب عن شبهة

التأنيث، ليستدرجهم. إذ لو حقر بوجه ما كان سببا لعدم إصغائهم - وعلى الأخير اقتصر المهايميّ - فقال: لم يؤنثه لئلا يعارض عظمته نقص الأنوثة، ولو غير حقيقية، وهي وإن كانت في الواقع لم يأت بها لفظا، لأنه قصد بذلك مساعدة الخصم أولا.

وقوله تعالى: {هذا أَكْبَرُ} أي: أكبر الكواكب جرما، وأعظمها قوة، فهو أولى بالإلهية. وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة، مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر.

(وفي هذا المقام مباحث)

الأول - توسع المفسرون هنا في قوله: {هذا رَبِّي} .

فمن قائل بأن المتكلم بهذا آزر، وأنه لما قال ذلك، قال إبراهيم {لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} .

وقيل: إنه إبراهيم. وكان ذلك في حال الطفولية، قبل استحكام النظر في معرفة الله تعالى لقوله: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ... } إلخ.

وقيل: بعد بلوغه وتكريمه بالرسالة. إلا أنه أراد الاستفهام الإنكاريّ، توبيخا لقومه، فحذف الهمزة، ومثله كثير.

وقيل: على إضمار القول أي: يقولون هذا ربي، وإضمار القول كثير.

وقيل: المعنى في زعمكم واعتقادكم.

وقيل: الإخبار على سبيل الاستهزاء ... إلى أقوال أخر.

والقصد في ذلك تنزيه مقامه عليه الصلاة والسلام عن الشك والحيرة، واعتقاد ربوبية ذلك، لمنافاته للعصمة.

وأقول: هذا مسلّم بلا ريب، ولكنّ الأوجه من جميع ذلك كله ما أسلفناه أوّلا من أن قوله: {هذا رَبِّي} من باب استعمال النصفة مع الخصوم، على سبيل الوضع، وهو سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها، لكونها مسلمة عند غيره، لأجل إلزامه بها.

وهو مصطلح أهل الجدل. وقد اقتصر الزمخشريّ على هذا الوجه الفريد.

قال الناصر في (الانتصاف) : وذلك متعين. وقد ورد في الحديث الوارد في الشفاعة «1» أنهم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيلتمسون منه الشفاعة، فيقول:

نفسي! نفسي! ويذكر كذباته الثلاث، ويقول: لست لها، يريد قوله لسارة هي أختي،

وإنما عنى: في الإسلام، وقوله: {إنه سقيم}

وإنما عنى همّه بقومه وبشركهم والمؤمن يسقمه ذلك - وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} وقد ذكرت فيه وجوه من التعريض. فإذا عدّ صلوات الله عليه وسلامه على نفسه هذه الكلمات، مع العلم بأنه غير مؤاخذ بها، دلّ ذلك على أنها أعظم ما صدر منه. فلو كان الأمر على ما يقال، من أن هذا الكلام محكيّ عنه على أنه نظره لنفسه، لكان أولى أن يعدّه، وأعظم، مما ذكرناه. لأنه حينئذ يكون شكا، بل جزما. على أن الصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك، انتهى.

(1) حديث الشفاعة هذا أخرجه البخاري في مواضع: ومنها في: التوحيد، 24 - باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، حديث 40، عن أنس وفيه ذكره، عليه السلام، كذباته الثلاث.

(2) الأثر رقم 13462 من التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت