فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 105]

(تنبيه)

قال القاشانيّ: يعني ب «الآيات» الحجج العقلية والشرعية الموجبة لاتحاد الوجهة، واتفاق الكلمة، فإن للناس طبائع وغرائز مختلفة، وأهواء متفرقة، وعادات وسيرا متفاوتة، مستفادة من أمزجتهم وأهويتهم، ويترتب على ذلك فهوم متباينة، وأخلاق متعادية، فإن لم يكن لهم مقتدى وإمام، تتحد عقائدهم وسرهم وآراؤهم بمتابعته، وتتفق كلماتهم وعاداتهم وأهواؤهم بمحبته وطاعته، كانوا مهملين متفرقين، فرائس للشيطان، كشريدة الغنم، تكون للذئب. ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا بد للناس من إمام، بر أو فاجر.

ولم يرسل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلم رجلين فصاعدا لشأن، إلا وأمّر أحدهما على الآخر، وأمر الآخر بطاعته ومتابعته، ليتحد الأمر، وينتظم، وإلا وقع الهرج والمرج، واضطرب أمر الدين والدنيا، واختل

نظام المعاش والمعاد.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «1» : من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة.

وقال «2» : الله مع الجماعة.

ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برئاسة القلب، وطاعة العقل، كيف اختل نظامها، وآلت إلى الفساد والتفرق، الموجب لخسار الدنيا والآخرة. ولما نزل قوله تعالى: {وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}

خط رسول الله صلّى الله عليه وسلم خطّا فقال «3» : هذا سبيل الرشد، ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه.

* قال شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية، قدس سره، في أول كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) : وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عامّا يعتقد مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيّا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا الرسول صلّى الله عليه وسلم. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف:

أحدها - عدم اعتقاده أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قاله، الثاني - عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول، الثالث - اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.

وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة - ثم أوسع المقال في ذلك.

(1) أخرجه البخاريّ في: الفتن، 2 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سترون بعدي أمورا تنكرونها، حديث 2546 ونصه: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية» .

(2) أخرجه الترمذيّ في: الفتن، 7 - باب ما جاء في لزوم الجماعة، ونصه: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يجمع أمتي، (أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم) على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار» .

(3) أخرجه الدارميّ في: المقدمة، 23 - باب في كراهية أخذ الرأي ونصه: عن عبد الله بن مسعود: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطّا ثم قال «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال «هذه سبل. على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» . ثم تلا: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت