القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 18]
وصفوا بذلك - مع سلامة حواسّهم المذكورة - لما أنّهم سدّوا عن الإصاخة إلى الحقّ مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصّروا بعيونهم، فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم - كقوله:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وكقوله:
أصمّ عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي - بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة - لا يعودون إلى الهدى - بعد أن باعوه. أو عن الضلالة - بعد أن اشتروها. فالآية الكريمة تتمّة للتمثيل بأنّ ما أصابهم، ليس مجرّد انطفاء نارهم، وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة - مع بقاء حاسة البصر بحالها - بل اختلّت مشاعرهم جميعا، واتصفوا بتلك الصفات فبقوا جامدين في مكانهم لا يرجعون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون؟ وكيف يرجعون إلى ما ابتدءوا منه.