فهرس الكتاب

الصفحة 1289 من 2268

وأما السنة فما

روي عن جابر بن عبد الله قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك به شيئا دخل النار. أخرجه مسلم «1» .

وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال «2» : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال:

تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. وفي رواية: ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. فبايعناه على ذلك. انتهى.

وقال العلامة أبو السعود: تمسّكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل المؤمن عمدا في النار. ولا متمسّك لهم فيها. لا لما قيل من أنها في حق المستحل، كما هو رأي عكرمة وأضرابه. بدليل أنها نزلت في مقيس بن صبابة الكنانيّ المرتد.

فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. بل لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام. لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا. وكذا ما روي عن سفيان: أن أهل العلم كانوا إذا سئلوا قالوا: لا توبة له - محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ. وعليه يحمل ما

روي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة.

وقال عون بن عبد الله وبكر بن عبد الله وأبو صالح: المعنى هو جزاؤه إن جازاه. قالوا: قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب.

ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا.

قال الواحديّ: والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد، وأن امتنع أن يخلف الوعد. والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور. لأنه إخبار منه تعالى أن جزاءه ذلك. لا بأنه يجزيه بذلك. كيف لا؟ وقد قال الله تعالى: {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشورى: 40] . ولو كان هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها، لعارضه قوله تعالى: {وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] . انتهى.

وقال العلامة الشوكانيّ في (نيل الأوطار) : وأما بيان الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول: لا نزاع أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً} من صيغ العموم الشاملة للتائب وغير التائب. بل للمسلم والكافر. والاستثناء لمذكور في آية الفرقان. أعني قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تابَ} [الفرقان: 70] . بعد قوله تعالى: {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] - مختص بالتائبين فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً} .

أما على ما هو المذهب الحق من أنه ينبني العامّ على الخاص مطلقا، تقدم أو تأخر أو قارن - فظاهر، وأما على مذهب من قال: إن العامّ المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، فإذا سلمنا تأخر قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً} على آية الفرقان، فلا نسلم تأخرها من العمومات القاضية بأن القتل مع التوبة من جملة ما يغفره الله. كقوله تعالى: {قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} [الزمر: 53] .

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} [النساء: 116] .

(1) أخرجه مسلم في: الإيمان، حديث 151.

(2) أخرجه البخاريّ في: الإيمان، 11 - باب حدثنا أبو اليمان، حديث 18.

ومسلم في: الحدود، حديث 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت