والخليل، لغة، الصديق المختص.
وقال ابن الأعرابيّ: الخليل الصادق.
وقال الزجاج: هو المحب الذي لا خلل في محبته. وبه فسر الآية. أي:
أحبه محبة تامة لا خلل فيها.
وقال ابن دريد: الخليل من أصفى المودة وأصحّها.
قال: ولا أزيد فيه شيئا لأنها في القرآن. انتهى.
قال الرازيّ: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوها: منها أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره. والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه. ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة. قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل، ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان، ثم سلّم للنيران، وولده للقربان، وماله للضيفان، جعله الله إماما للخلق ورسولا إليهم، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته.
فلهذه الاختصاصات سماه خليلا، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه. انتهى.
وقوله: (لأن محبة الله لعبده إلخ منزع كلاميّ لا سلفيّ) .
قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيّم في كتابه (الجواب الكافي) : الخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها. بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه. وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما. وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد. كما
قال صلى الله عليه وسلم: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا.
وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن صاحبكم خليل الله.
وفي حديث «2» آخر: إني أبرأ إلى كل خليل من خلته.
ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد، فأعطيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره. فأمر بذبحه. وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا. ولم يكن المقصود ذبح الولد. ولكن المقصود ذبحه من قلبه. ليخلص القلب للرب. فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود. فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم. فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا. بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله. كما أبقى شريعة الفداء. وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة. وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها.
وقال: {ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] . هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر. ثم قال ابن القيّم قدس سره: وأما ما يظنه بعض الظانين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة. والخلة نهاية المحبة. وقد أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذ إبراهيم خليلا. ونفى أن يكون له خليل غير ربه. مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا فإن الله سبحانه {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، و {يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] ، و {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] ، و {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] ، و {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] . وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام. والشاب التائب حبيب الله.
وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
(1) أخرجه البخاريّ في: فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، 5 - باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: لو كنت خليلا، حديث 312 ونصه: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر. ولكن أخي وصاحبي» .
وفيه أيضا عنه، قال: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذته خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل» .
(2) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، 11 - باب في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث 93، ونصه عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته. ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. إن صاحبكم خليل الله» .