وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة. قال الشعبيّ: يعجبني الرجل إذا سيم هونا، دعته الأنفة إلى المكافأة. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فبلغ كلامه الحجاج فقال: لله دره! أي رجل بين جنبيه! وتمثل:
ولا خير في عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه
وقال أعرابيّ لابن عباس رضي الله عنهما: أتخاف عليّ جناحا إن ظلمني رجل فظلمته؟ فقال له: العفو أقرب للتقوى. فقال: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} .
وقال المتنبي:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم
(لطيفة)
الاستثناء في قوله تعالى {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} إما متصل أو منقطع. فعلى الأول فيه وجهان: الأول - قول أبي عبيدة: هذا من باب حذف المضاف، أي: إلا جهر من ظلم. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثاني - قول الزجاج: المصدر هاهنا بمعنى الفاعل. أي: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. وعلى أنه منقطع، فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.
وقوله تعالى: {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه. كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: 42] . ووعيد له أيضا بأن يتعدّى في الجهر المأذون فيه.
بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا لله بذلك.