فهرس الكتاب

الصفحة 1453 من 2268

وكان يمكننا لدرس هذا الموضوع التكلم على جملة مسائل تفند دعوى الصلب تفنيدا لا مزيد عليه. ومن ضمنها، أن نصارى اليوم تدعي أن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام حكم عليه من مجمع اليهود بالقتل بسبب تغييره لأحكام التوراة. ومن المعلوم أن الحكم، في ذلك الموضوع، الرجم لا الصلب. فهذا مما يرتكن عليه مثل الموسيو (شارل بيكار) في ادعائه أن النصارى الحديثين احتاجوا لعلامة الصليب رمزا لبعض عقائد كانوا يريدون إدخالها في الديانة. وهي مسألة الفدا. انتهى كلام صاحب السيوف البتارة.

ولما اطلع عليها ذلك النصرانيّ المذبذب المردود عليه، أعياه الرد من الطريقة التاريخية، فأخذ يرد عليها تشبثا بأسباب واهية. فعدّ، كل من رفض الصلب من نصارى الأيام الأول، هرطوقيا. أي: مارقا من الدين. ورمى أصحاب التواريخ من أهل أوروبا الذين وافقوا المسلمين في عدم حصول الصلب بأنهم كفرة الإفرنج. ثم تمسك بالأناجيل الأربعة الرسمية وقال: أنه لا يمكنه أن يزيف شيئا منها ما دامت شاهدة من أولها إلى آخرها بحصول الصلب حقيقة. وأنه يلزم حينئذ تأويل ما جاء في القرآن المجيد حتى يصل للوفاق.

فعاد صاحب (السيوف البتارة) وألف رسالة ثانية في شهادة علماء الإفرنج بحفظ القرآن وتحريف ما سواه. تكملة للأول. فتوسع جزاه الله خيرا في هذا الموضوع ثم قال (في الكلام على الإنجيل) ما لفظه: أما الإنجيل فإنه أبعد عن الصحة من التوراة بكثير. إذ لا يفهم أحد للآن كيف تعدد الإنجيل الأصليّ إلى نسخ شتى متباينة. ولأي مرجح استحسنت منها النصارى الحاليون أربعة أناجيل، مختلفة كل الاختلاف، متضاربة كل التضارب. ولا يدري لماذا عدلوا عن (إنجيل برنابا) مثلا الذي وافق القرآن قبل ظهوره في المسائل التي أبتها الكتب الحالية. فإنا نجد هذا الإنجيل يخبر أن السيد المسيح نبيّ، عبد، مخلوق. ليس بإله. وأنه لم يصلب.

وفيه البشارة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مذكورا بلفظه (كذا) .

وهاك ما قاله السيد المسيح في الإنجيل المذكور (وإني وإن كنت بريا، لكن بعض الناس لما قالوا في حقي إنه الله وابن الله، كره الله هذا القول واقتضت مشيئته بأن لا تضحك الشياطين يوم القيامة عليّ ولا يستهزءون. فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا. ويظن كل شخص أني صلبت. لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله. فإذا جاء في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا الغلط. وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس) .

وقد استشهد العلامة (سيل) الإنكليزيّ، المشهور في أوروبا بترجمة المصحف الشريف، بهذه الآية الإنجيلية، تفسيرا لقوله تعالى في سورة آل عمران:

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: 54] وإنجيل برنابا أثبته العلماء قبل الإسلام بنحو ثلاثمائة سنة. حتى أن العالم الإنكليزي (تولاند) قال:

وعلى النصرانية السلام، بمجرد رؤيته هذا الإنجيل. ثم قال: قال العلامة (هيردر) وجماعة آخرون: إن الإنجيل الأصليّ كان واحدا. إلا أنه لم يكتب. بل قاله المسيح مشافهة. ورواه الحواريون عنه للناس شفاهيّا أيضا. فحفظ الخلق منه بعض أقوال أضافوا إليها ما استحسنوه من السير والقصص. ونقصوا منها ما لم يوافق أذواقهم. وما زالت تنتقل الروايات المختلفة من شخص إلى آخر، ومن زمن إلى غيره حتى تشعبت، وكتب أخيرا منها أناجيل شتى، فاختارت الكنائس منها أربعة جعلتها الرسمية.

ثم قال مؤلف (السيوف البتارة) : فوضح وضوحا تامّا لذي بصيرة، أن الحجة على دعوى صلب المسيح قد سقطت سقوطا لا تقوم بعده أبدا. سواء من جهة التاريخ الصحيح الذي دحضها وخذل مدعيها بأجلى برهان، أو من جهة الأناجيل المعتبرة عندهم. لذهاب أصلها أدراج الرياح، بثبوت التحريف والتغيير لها.

ثم قال: وأما قوله (يعني المذبذب) . بأن طوائف النصارى الرافضة للصلب هراقطة - فغريب. لأنهم مثله في العقيدة لا يمتازون إلا بإنكارهم الصلب الحقيقيّ للمسيح. وهل الاقتصار، في الرد من باحث، على قوله (كفرة) يعد من باب نقض الدليل بالدليل وتزييف الحجة بالحجة؟ أو من باب المكابرة في المحسوس والانقطاع عن المناظرة للعجز الواضح. وإذا جاز إطلاق (كفرة) على هؤلاء وهم أمناء النصرانية واليهودية - جاز أن تصف بهذه الصفة كل يهوديّ ونصرانيّ. وحينئذ لا يصح احتجاجك بإجماعهم ولا بشيء من آرائهم. وتكون في ردك بكلمة (هراقطة. كفرة) أشبه بمن اقتصر في مناظرة خصمه على كلمة (لا) فقط. فهو يكررها ولا يسأم من الرد بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت