الثالث: قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} .
قال ابن كثير: هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليّه، متعززا على خصمه وعدوّه، كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
قال الزمخشريّ: فإن قلت: هلا قيل: أذلة للمؤمنين؟
قلت فيه وجهان:
(أحدهما) أن يضمن الذل معنى الحنوّ والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع.
و (الثاني) أنهم - مع شرفهم وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم. وقرئ (أذلة وأعزة) بالنصب على الحال.
وفي (الحواشي) : أن قوله تعالى: {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} تكميل. لأنه لما وصفهم بالتذلل، ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة. فقال: ومع ذلك هم أعزة على الكافرين، كقوله:
جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألمّ بهم خفوف
واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين والشدة على الكفار.
الرابعة: قوله تعالى: {وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} .
قال الزمخشريّ: يحتمل أن تكون (الواو) للحال على معنى: أنهم يجاهدون، وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود. فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم.
وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف على أنّ من صفتهم المجاهدة في سبيل الله. وأنهم صلاب في دينهم. إذا شرعوا في أمر من أمور الدين - إنكار منكر أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم.
يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم.
و (اللومة) المرّة من اللوم. وفيها وفي التنكير مبالغتان. كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوّام. انتهى.
وفيه وجوب التمسك بالحق وإن لامه لائم. وإنه مع تمسّكه به صيّره محلّة أعلى ممن تمسّك به من غير لوم. لأنه تعالى مدح من هذا حاله. وفيه أيضا، أن خوف الملامة ليس عذرا في ترك أمر شرعي.