فهرس الكتاب

الصفحة 2014 من 2268

وقال الناصر في (الانتصاف) : قد ثبت خلود الكفار في العذاب ثبوتا قطعيّا، فمن ثم اعتنى العلماء بالكلام على الاستثناء في هذه الآية، وفي أختها في سورة هود. فذهب بعضهم إلى أنها شاملة لعصاة الموحدين وللكفار، والمستثنى العصاة، لأنهم لا يخلدون - وقد علمت بعده -.

ثم قال: وذهب بعضهم إلى أن هذا الاستثناء محدود بمشيئة رفع العذاب، أي: مخلدون إلا أن يشاء الله لو شاء. وفائدته إظهار القدرة، والإعلان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى قد شاءه، وكان الجائز العقليّ في مشيئته أن لا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم، وإن ذلك ليس بأمر واجب عليه،

وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل. وفيها على هذا الوجه دفع في صدر المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة، وأنه لا يجوز في العقل أن يشاء خلاف ذلك.

وذهب الزجاج إلى وجه لطيف، إنما يظهر بالبسط فقال: المراد - والله أعلم - إلا ما يشاء من زيادة العذاب. ولم يبين وجه الاستثناء. والمستثنى على هذا التأويل لم يغاير المستثنى منه في الحكم، ونحن نبيّنه فنقول: العذاب - والعياذ بالله - على درجات متفاوتة، كأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية، وتنتهي إلى أقصى النهاية، حتى تكاد لبلوغها الغاية، ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة، تعدّ ليس من جنس العذاب، وخارجة عنه. والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد، كما تقدم في التعبير عن كثرة الفعل ب (ربّ) و (قد) ، وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة، وذلك أمر يعتاد في لغة العرب.

وقد حام أبو الطيب حوله فقال:

لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم ... للمنتهى ومن السرور بكاء

فكأنّ هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية العذاب، ونهاية الشدة، فقد وصلوا إلى الحد الذي يكاد أن يخرج من اسم العذاب المطلق، حتى يسوغ معاملته في التعبير بمعاملة المغاير. وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط.

وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنه ما يؤيده. انتهى.

وفي الآية تأويلات أخر:

منها: ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوما قد سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكيّ، وأن (ما) بمعنى (من) .

ومنها: أنهم يفتح لهم أبواب الجنة، ويخرجون من النار، فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم. وهو معنى قوله: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت