فهرس الكتاب

الصفحة 2241 من 2268

الثاني: في قوله {إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا} ردّ إلى الله تعالى مستقيم.

قال الواحدي والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية، أن شعيبا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع إلى ملتكم، بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول النار، إلا أن يريد إهلاكنا. فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية. وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله.

ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر. ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ} [إبراهيم: 35] ؟ وكان نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم كثيرا ما

يقول «1» : «يا مقلّب القلوب! ثبّت قلبي على دينك» .

وقال الزجاج: المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً، يعني أنه تعالى يعلم ما يكون، من قبل أن يكون، وما سيكون. وأنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء. فالسعيد من سعد في علم الله تعالى. والشقي من شقي في علم الله تعالى.

وقال الناصر في (الانتصاف) : موقع قوله {وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة. فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد. ولو وقع. فبقدرة الله ومشيئته المغيّبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم. ونظيره قول إبراهيم عليه السلام {وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] لما ردّ الأمر إلى المشيئة، وهي مغيّبة، مجّد الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات - والله أعلم.

وقال أبو السعود: معنى {وَما يَكُونُ لَنا ... } الآية - أي ما يصح لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات، إلا أن يشاء الله. أي إلا حال مشيئة الله تعالى، أو وقت مشيئته تعالى. لعودنا فيها. وذلك مما لا يكاد يكون، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {رَبُّنا ... } فإن التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم، مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا، وكذا قوله بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها فإن تنجيته تعالى لهم منها، من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها.

وقيل معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا. فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى. وأيّا ما كان، فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيّز الإمكان، وخطر الوقوع، بناء على كون مشيئته تعالى كذلك، بل بيان استحالة وقوعها. كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وهيهات ذلك. بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له - انتهى -.

ولا يخفى أن إفهام ذلك الاستحالة، هو باعتبار الواقع، وما يقتضيه منصب النبوة.

وأما إذا لوحظ مقام الخوف والخشية، الذي هو من أعلى مقامات الخواصّ، فيكون ما ذكرناه أولا أدقّ، وبالقبول أحق.

(1) أخرجه الترمذي في: القدر، 7 - باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت