(تنبيه)
قال الحاكم: تدلّ الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف على النفس.
وتدلّ على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف، لأنّ كل ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وتدلّ على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين. كما فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية. وكما فعله أمير المؤمنين علىّ عليه السلام بصفين. وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية. وتدلّ أيضا على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا خشي التهلكة. ويؤيده أنه صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يصالح يوم الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأشارا بترك ذلك. وهو لا يعزم إلا على ما يجوز.
(لطيفة)
(الإلقاء) لغة، طرح الشيء، عدّي بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي. والمراد بالأيدي: الأنفس، فذكر الجزء وإرادة الكلّ لمزيد اختصاص لها باليد. بناء على أنّ أكثر ظهور أفعال النفس بها. والتهلكة والهلاك والهلك واحد. فهي مصدر. أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك.
والتهلكة بضمّ اللام. قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة - بضمّ العين - إلّا هذا.
وقال اليزيديّ: هو من نوادر المصادر. ولا يجري على القياس! قال الزمخشري: ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما.
على أنها مصدر من هلك. فأبدلت من الكسرة ضمّة. كما جاء الجوار في الجوار.
هذا ما ذكروه.
قال الفخر الرازي - ولله دره - بعد نقله نحو ما سبق: وإني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجّة قوية. فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى. المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة - أولى أن يدلّ على صحّة هذه اللفظة واستقامتها.
وَأَحْسِنُوا أي: تحرّوا فعل الإحسان، أي: الإتيان بكلّ ما هو حسن، ومن أجلّه الإنفاق، وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. قال الراغب: نبه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم.