وإذا ماتوا أحاطت اللعنة بنفوسهم ، على أن هذه صورة مفروضة غير واقعة ، ولك عبرة باليهود: كانوا أحوج خلق الله إلى بعث الرسول لغلوهم في دينهم وتحريفاتهم في كتابهم . وثبوت حجة الله على عباده ببعثه الرسل إنما هو بأن أكثر الناس خلقوا بحيث لا يمكن لهم تلقي ما لهم وما عليهم بلا واسطة ، بل استعدادهم إما ضعيف يتقوى بأخبار الرسل ، أو هنالك مفاسد لا تندفع إلا بالقصر ، على رغم أنفهم ، وكانوا بحيث يؤاخذون في الدنيا والآخرة ، فأوجب لطف الله عند اجتماع بعض الأسباب العلوية والسفلية أن يوحى إلى أزكى القوم أن يهديهم إلى الحق ، ويدعوهم إلى الصراط المستقيم ، فمثله في ذلك كمثل سيد مرض عبيده ، فأمر بعض خواصه أن يكلفهم شرب دواء أشاؤا ، أم أبو ، فلو أنه أكرههم على ذلك كان حقا ، ولكن تمام اللطف يقتضي أن يعلمهم أولا أنهم مرضى ، وأن الدواء نافع ، وأن يعمل أمورا خارقة تطمئن نفوسهم بها على أنه صادق فيما قال ، وان يشوب الدواء بحلو ، فحينئذ يفعلون ما يؤمرون به على بصيرة منه وبرغبة فيه ، فليست المعجزات ، ولا استجابة الدعوات ، ونحو ذلك إلا أمورا خارجة عن أصل النبوة لازمة لها في الأكثر ، وظهور معظم المعجزات يكون من أسباب ثلاثة: أحدها كونه من المفهمين ، فإن ذلك يوجب انكشاف بعض الحوادث عليه ، ويكون سببا لاستجابة الدعوات وظهور البركات فيما يبرك عليه . والبركة إما زيادة نفع الشيء بأن يخيل إليهم مثلا أن الجيش كثير ، فيفشلوا أو بصرف الطبيعة الغذاء إلى خلط صالح ، فيكون كمن تناول أضعاف ذلك الغداء ، أو زيادة عين الشيء بأن تتقلب المادة الهوائية بتلك الصورة لحلول قوة مثالية ، ونحو ذلك من الأسباب التي يعسر إحصاؤها . والثاني أن تكون الملأ الأعلى مجمعة إلى تمشية أمره ، فيوجب ذلك