في مرافق المعيشة ، وتباهوا بها ، وورد عليهم حكماء الآفاق يستنبطون لهم دقائق المعاش ومرافقه ، فما زالوا يعملون بها ، ويزيد بعضهم على بعض ، ويتباهون بها حتى قيل إنهم كانوا يعيرون من كان يلبس من صناديدهم ، منطقة أو تاجا قيمتها دون مائة ألف درهم ، أولا يكون له قصر شامخ وآبزن وحمام وبساتين ، ولا يكون له دواب فارهة وغلمان حسان ، ولا يكون له توسع في المطاعم وتجمل في الملابس ، وذكر ذلك يطول . . ، وما تراه من ملوك بلادك يغنيك عن حكاياتهم ، فدخل كل ذلك في أصول معاشهم ، وصار لا يخرج من قلوبهم إلا أن تمزع وتولد من ذلك داء عضال دخل في جميع أعضاء المدينة ، وآفة عظيمة لم يبق منهم أحد من أسواقهم ورسناقهم وغنيهم وفقيرهم إلا وقد استولت عليه ، وأخذت بتلابيبه ، وأعجزته في نفسه ، وأهاجت عليه غموما وهموما لا أرجاء لها ، وذلك أن تلك الأشياء لم تكن لتحصل إلا ببذل أموال خطيرة ، ولا تحصل تلك الأموال إلا بتضعيف الضرائب على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عليهم ، فان امتنعوا قاتلوهم ، وعذبوهم ، وإن أطاعوا جعلوهم بمنزلة الحمير والبقر يستعمل في النضح والدياس والحصاد ، ولا تقتني إلا ليستعان بها في الحاجات ، ثم لا تترك ساعة من العناء حتى صاروا لا يرفعون رؤسهم إلى السعادة الأخوية أصلا ، ولا يستطيعون ذلك ، وربما كان إقليم واسع ليس فيهم أحد يهمه دينه ، ولم يكن ليحصل أيضا إلا بقوم يتكسبون بتهيئة تلك المطاعم والملابس والابنية وغيرها ، ويتركون أصول المكاسب التي عليها بناء نظام العالم ، وصار عامة من يطوف عليهم يتكلفون محاكاة الصناديد في هذه الأشياء ، وإلا لم يجدوا عندهم حظوة ، ولا كانوا عندهم على بال ، وصار جمهور الناس عيالا على الخليفة يتكففون منه تارة على أنهم من الغزاة والمدبرين للمدينة يترسمون برسومهم ولا يكون المقصود دفع الحاجة ولكن