القيام بسيرة سلفهم ، وتارة على أنهم شعراء جرت عادة الملوك بصلتهم ، وتارة على أنهم زهاد وفقراء يقبح من الخليفة ألا يتفقد حالهم ، فيضيق بعضهم بعضا ، وتتوقف مكاسبهم على صحبة الملوك والرفق بهم وحسن المحاورة معهم والتملق منهم ، وكان ذلك هو الفن الذي تتعمق أفكارهم فيه ، وتضيع أوقاتهم معه ، فلما كثرت هذه الأشغال تشبح في نفوس الناس هيآت خسيسة ، وأعرضوا عن الأخلاق الصالحة وإن شئت أن تعرف حقيقة هذا المرض ، فانظر إلى قوم ليست فيهم الخلافة ، ولا هم متعمقون في لذائذ الأطعمة والألبسة - تجد كل واحد منهم بيده أمره ، وليس عليه من الضرائب الثقيلة ما يثقل ظهره ، فهم يستطيعون التفرغ لأمر الدين والملة ، ثم تصور حالهم لو كان فيهم الخلافة ، وملأوها ، وسخروا الرعية ، وتسلطوا عليهم فلما عظمت المصيبة واشتد هذا المرض - سخط عليهم الله والملائكة المقربون ، وكان رضاه تعالى في معالجة هذا المرض بقطع مادته ، فبعث نبيا أميا صلى الله عليه وسلم لم يخالط العجم والروم ، ولم يترسم برسومهم ، وجعله ميزانا يعرف به الهدى الصالح المرضي عند الله من غير المرضي ، وأنطقه بذم عادات الأعاجم وقبح الاستغراق في الحياة الدنيا والاطمئنان بها ، ونفث في قلبه أن يحرم عليهم رءوس ما اعتاده الأعاجم ، وتباهوا بها كلبس الحرير والقسى والأرجوان واستعمال أواني الذهب والفضة وحلي الذهب غير المقطع والثياب المصنوعة فيها الصور وتزويق البيوت وغير ذلك ، وقضى بزوال دولتهم بدولته ، ورياستهم برياسته ، وبأنه هلك كسرى ، فلا كسرى بعده وهلك قيصر ، فلا قيصر بعده . واعلم أنه كان في أهل الجاهلية مناقشات ضيقت على القوم وصعبت ، ولم يكن زوالها إلا بقطع رءوسهم في ذلك الباب كثأر القتلة كان الإنسان يقتل إنسانا فيقتل ولي المقتول أخا القاتل أو ابنه ، ويعود هذا فيقتل واحدا